الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نظرية  علي الوردي.. عن ازدواج الشخصية العراقية ليست صحيحة علميا

بواسطة azzaman

نظرية  علي الوردي.. عن ازدواج الشخصية العراقية ليست صحيحة علميا

قاسم حسين صالح


في بداية خمسينيات القرن الماضي ، عاد الدكتور علي الوردي الى وطنه العراق بعد حصوله على الدكتوراه  التي كان موضوعها عن نظرية بن خلدون ، وقد تنبأ له اساتذته الأمريكان عن مستقبل وشأن كبير.

 ومع انه كتب تسعة مجلدات عن (المجتمع العراقي) فأن شهرته على المستوى الشعبي تحققت بطرحه مفهوم (ازدواج الشخصية ).

 من أين أتى بمفهوم (ازدواجية الشخصية؟
  في خمسينيات القرن الماضي شاع في الولايات المتحدة مفهوم ( ازدواج الشخصية ) وكان المثال الكلاسيكي لها هو رواية ستيفنسن الموسومة :" دكتور جيكل ومستر هايد 
Dr.Jekyll and Mr. Hyde" التي جرى تحويلها الى فلم سينمائي جذب الملايين من المشاهدين.

  وحدث أن ظهرت – في الخمسينيات أيضا – حالة واقعية في أمريكا لفتاة أسمها "Sybil"كانت لها ثلاث شخصيات : شخصية عادية ، موظفة تمارس عملها حسب الأصول ، وشخصية متدينة تذهب الى الكنيسة في أيام الآحاد ، وشخصية مستهترة ترتاد نوادي الرقص والقمار في الليل .

 وكان لكل شخصية أسم خاص بها ولا تعرف إحداهن الأخرى . ولأن الحالة مثيرة جماهيريا فقد التقطتها السينما وحولتها الى فلم بعنوان " ثلاثة وجوه لحواء ، Three Faces of Eve"
عرض عام  1957  وقامت ببطولته الممثلة Joanne Woodward..وعندها  ظهر مفهوم جديد بعد " ازدواج الشخصية " هو " تعدد الشخصية Multiple Personality " .

وحدث أن أشاعت السينما والصحافة الفنية بين الملايين الذين أدهشهم الفلم أن البطلة مصابة بمرض " الشيزوفرينيا " وكان هذا خطئا علميا ومفاهيميا شاع بين الناس وبين أوساط علمية أيضا ، وروجت له السينما والتلفزيون وبخاصة أفلام " هتشكوك " ، الأمر الذي اضطر عددا من الأطباء النفسيين الى التنويه ، في السبعينيات ، بأن ما يسمى بـ"ازدواج الشخصية أو تعددها " ينضوي تحت العصاب وليس الذهان ، لأن المصاب بهذا الاضطراب يتقمص أدوارا مختلفة ولو أنها متناقضة ، ولكنه يقوم بكل منها بطريقة منطقية ومتماسكة ومتلائمة مع المتطلبات الاجتماعية للدور ، بعكس ما يحدث في الشيزوفرينيا إذ يعبر الاضطراب عن انفصال الشخصية عن متطلبات الواقع فيتصرف الشخص بطريقة تبدو للآخرين مضطربة ولا تتلاءم مع المعايير الخارجية .

  ولقد جرى حديثا ( أدبيات عام ألفين وما بعده ) إسقاط مصطلحي " ازدواج الشخصية وتعدد الشخصية " واستبدالهما بمصطلح " اضطراب الهوية الانشطاري Dissociative Identity Disorder "   وحدد عرضه الرئيس بأن الفرد " يعيش بشخصيتين أو أكثر ، وأن هذه الشخصيات قد تكون على دراية ببعضها البعض أو قد تكون في حالة فقدان الذاكرة النفسي ".

  هذا يعني أن مفهوم " ازدواج الشخصية " – وهو مفهوم طبي نفسي لا علاقة له بعلم الاجتماع – لم يعد متداولا في الطب النفسي وأنه استبدل بمفهوم " اضطراب الهوية الانشطاري " الذي يعني ان المصاب به يملك هويتين أو شخصيتين – وقد يصل العدد الى العشرات !- لكل واحدة أسلوبها الخاص بها في السلوك والإدراك والتفكير والتاريخ الشخصي والعلاقة بالآخرين .

وللإيضاح فان ما يحدث في هذا الاضطراب " الفانتازي " ، الذي ما يزال يثير الجدل، أن الشخصية الأصلية أو المضيفة يحل أو ينزل عندها ضيوف هي الشخصيات البديلة . فإذا كانت هنالك شخصيتان في الفرد ( الأصلية والضيفة ) فانهما تتناوبان السيطرة ، والمثال الكلاسيكي هو " دكتور جيكل ومستر هايد " حيث يمارس الدكتور جيكل في النهار عمله الاعتيادي كطبيب فيما يتحول في الليل الى مجرم سفّاح باسم هايد .

 وبطبيعة الحال فان الوردي لم يكن مسؤولا عن ذلك الخطأ إنما خطؤه يتحدد بأنه قام بتحويل أو ترحيل مفهوم يتعلق بمرض نفسي يصيب أشخاصا معدودين الى مفهوم اجتماعي يصيب الملايين من الناس ، ولا يصح أن يوصف هذا المصطلح بأنه " ابتكار " من الوردي كما ظنّ كثيرون.

وليت الوردي استخدم المفهوم مجازا أو استعارة إنما استخدمه بنفس المعنى الشائع لمرض ازدواج الشخصية في الخمسينيات . فهو يقول بالنص :

·       " إن العراقي هو في الواقع ذو شخصيتين ، وهو إذ يعمل بإحدى شخصيتيه ينسى ما فعل آنفا بالشخصية الأخرى.. وانه اذا بدر منه بعدئذ عكس ذلك فمردّه الى ظهور نفوس أخرى فيه ( لاحظ هنا تعدد وليس ازدواج ) لا تدري ماذا قالت النفس الأولى وماذا فعلت ).

 وواضح لجنابك أن الوصف هذا ينطبق على حالة مرضية وليس على حالة سوية ، بمعنى أن المصاب به يعاني من اضطراب أو مرض ( ازدواج الشخصية ) بمفهومه الشائع في الخمسينيات ، و" اضطراب الهوية الانشطاري " بالمفهوم الحديث.. وليس من المعقول بطبيعة الحال أن يكون كل أو معظم العراقيين مصابين بهذا الاضطراب العصابي ، أو المرض ألذها ني على رأي آخر .

التناشز..مصطلح أفضل

إن الذي قصده الوردي هو على وجه التحديد :( التناقض بين الأفكار والسلوك ) ، بمعنى أن السلوك الذي يتصرف به الفرد يتناقض أو يتعارض مع الفكرة أو القيمة التي يحملها. وإليكم بعض الأمثلة مما يذكر :
   * " إن العراقي ، سامحه الله ، أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته ، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته ".
  * " حدث مرة أن أقيمت حفلة كبرى في بغداد للدعوة الى مقاطعة البضاعة الأجنبية ، وقد خطب فيها الخطباء خطبا رنانة وأنشد الشعراء قصائد عامرة . وقد لوحظ آنذاك أن اغلب الخطباء والشعراء كانوا يلبسون أقمشة أجنبية والعياذ بالله ".
  * " ومن العجيب حقا أن نرى بين مثقفينا ورجال دين فينا من يكون ازدواج الشخصية فيه واضحا : فهو تارة يحدثك عن المثل العليا وينتقد من يخالفها ، وتارة يعتدي أو يهدد بالاعتداء لأي سبب يحفزه الى الغضب.. تافه أو جليل ، ضاربا عرض الحائط بتلك المثل التي تحمس لها قبل ساعة ".
إن مثل هذه الحالات بعيدة جدا عن أن نصفها بـ" ازدواج الشخصية " إنما هي تناقض بين الأفكار والسلوك ، أي أن الفرد يؤمن بقيمة أو يتبنى فكرة أو يدعو لها أو يصرّح بها لكنه يتصرف بسلوك مناقض لها ، كأن يدعو الى أن تمارس المرأة العمل ضابطا في الشرطة أو الجيش غير أنه يمنع ابنته من التقديم الى كلية الشرطة أو الكلية العسكرية .
             وعليه فان الأصوب علميا وعمليا أن نصف ذلك بـ " تناشز الشخصية " الذي يعني التنافر أو التناقض أو عدم الانسجام بين ما يعتقد به الفرد وبين ما يقوم به من سلوك، وأقرب لها شعبيا تعبير (أبو وجهين)..بمعنى يقول شيئا ويفعل نقيضه

والخطأ الآخر الذي وقع فيه الوردي – وقد لا يكون مقصودا – أن محاضرته حول ازدواج الشخصية العراقية تجعل المتلقي لها يفهم أن العراقي يميل الى تغليب السلوك المناقض لأفكاره وقيمه حيثما اقتضت مصلحته ذلك ، أو أن ذلك من طبعه.. وهي صورة سلبية عن الشعب العراقي ،تخدم المغرضين الذين يوظفونها بصيغة الاعمام "التعميم".

وطبيعي أن ابتكار مصطلح جديد لن يزحزح مصطلحا استقر في ذاكرة الناس منذ نصف قرن حتى لو كان أكثر انطباقا على الحالة ، فضلا عن أنهم استلطفوه وأشاعوه.

 والمفارقة أن هذه الصفة السلبية اطلقت على العراقي ايام كان الوضع السياسي مستقرا والدولة مدنية في نظام ملكي تشكلت وسقطت فيه اكثر من خمسين وزارة،أي أن النظام السياسي ما كان له دور في تشكيل او صنع (ازدواج )شخصية العراقي ،انما الأمر يتعلق بالقيم والتقاليد،فيما (النظام السياسي الديمقراطي) الحالي أحدث ظاهرة أخطر في شخصية الفرد العراقي،هي النفاق ،التملق ( بالوجه مرايه وبالكفا سلايه) ..دفعنا وسيدفع الوطن ثمنها غاليا..كما سنرى في موضوع لاحق. 

تنويه

مع اختلافي معه في حياته ،فقد كنت أقرب الأكاديميين الى نفسه، وكنت على فراش موته ساعة مدّ يده الى رقبتي قائلا: شوف قاسم..آني ما احب الماركسيين بس الك احبك..تعال انطيني بوسه ..وامتزجت القبلة بالدمعة في مشهد سيبقى ما حييت.


مشاهدات 59
الكاتب قاسم حسين صالح
أضيف 2026/05/25 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/05/26 - 1:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 117 الشهر 25166 الكلي 15870360
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير