الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا كشفت مفاوضات واشنطن وطهران بعد الحرب؟

بواسطة azzaman

بين التصعيد والتسوية

ماذا كشفت مفاوضات واشنطن وطهران بعد الحرب؟

محمد علي الحيدري

 

تكشف المعطيات المتداولة بشأن مذكرة التفاهم التي تقترب الولايات المتحدة وإيران من توقيعها، بعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر في الخليج، عن حقيقة سياسية تستحق التوقف عندها بعيدا عن الانفعال الدعائي أو الاصطفافات الأيديولوجية. فالمشهد الذي بدأ بلغة الحرب القصوى، والحديث عن تغيير قواعد الاشتباك وكسر الإرادة الإيرانية، انتهى عمليا إلى العودة نحو التفاوض والبحث عن ترتيبات مرحلية لإدارة الأزمة، لا حسمها بالقوة.

قوة عسكرية

هذه النتيجة لا تعني انتصارا كاملا لأي طرف، كما لا تعني هزيمة مطلقة لطرف آخر، لكنها تكشف حدود القوة العسكرية حين تتعلق الصراعات بدول تمتلك عناصر صمود جيوسياسية واقتصادية وأمنية معقدة. فالحروب الحديثة، خصوصا في الشرق الأوسط، لم تعد قادرة بالضرورة على إنتاج حلول نهائية، حتى عندما تمتلك بعض الأطراف تفوقا عسكريا وتكنولوجيا هائلا.

خلال فترة التصعيد، رُفعت شعارات كبيرة في واشنطن وتل أبيب حول ضرورة منع إيران من تهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية، وجرى تصوير الضغوط العسكرية والاقتصادية باعتبارها مدخلا لإجبار طهران على التراجع الاستراتيجي. لكن البنود التي يجري الحديث عنها اليوم ضمن التفاهمات المقترحة تكشف أن الواقع السياسي كان أكثر تعقيدا من الخطاب الإعلامي المصاحب للحرب.

فالولايات المتحدة التي شددت العقوبات إلى أقصى مدى، تتفاوض الآن بشأن تخفيف بعضها المرتبط بالنفط والموانئ والأموال الإيرانية المجمدة. والجهات التي تحدثت عن ضمان أمن الملاحة بالقوة العسكرية، عادت للبحث عن تفاهمات تضمن فتح مضيق هرمز واستقرار تدفق الطاقة عبر ترتيبات سياسية وأمنية متبادلة. أما الملف النووي، الذي قيل مرارا إن الخيار العسكري قادر على إنهائه أو تعطيله جذريا، فقد عاد مرة أخرى إلى طاولة التفاوض نفسها: نسب التخصيب، حجم المخزون، وآليات الرقابة الدولية.

في المقابل، لا يمكن أيضا تجاهل أن إيران نفسها اضطرت إلى العودة للمسار التفاوضي تحت ضغط اقتصادي وعسكري وسياسي حقيقي. فالأزمة كشفت هشاشة البيئة الإقليمية كلها أمام أي مواجهة مفتوحة، كما أظهرت أن استمرار التصعيد يحمل مخاطر تتجاوز قدرة جميع الأطراف على التحكم بنتائجها. لذلك فإن العودة إلى الدبلوماسية لم تكن تعبيرا عن رغبة مثالية في التسوية، بل نتيجة إدراك متبادل بأن الاستمرار في المواجهة المفتوحة يهدد الجميع بدرجات متفاوتة.

نتائج فعلية

ومن هنا، فإن أكثر ما يحرج الخطابات التي سبقت الحرب ليس مجرد العودة إلى التفاوض، بل التناقض بين سقوف الشعارات والنتائج الفعلية على الأرض. فحين تُطرح أهداف كبرى مرتبطة بإعادة تشكيل المنطقة أو فرض وقائع نهائية بالقوة، ثم ينتهي الأمر إلى ترتيبات مؤقتة ووقف إطلاق نار ومفاوضات ممتدة، فإن ذلك يطرح أسئلة مشروعة حول جدوى الخطاب التصعيدي نفسه، وحدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة.

لقد أثبتت الأزمة مجددا أن الشرق الأوسط ليس ساحة يمكن إعادة هندستها بسهولة عبر القوة وحدها، وأن التوازنات الإقليمية ـ مهما اختلت أحيانا ـ تفرض في النهاية العودة إلى السياسة والتفاوض. كما أثبتت أن إدارة الصراع باتت، بالنسبة إلى القوى الكبرى والإقليمية، أكثر واقعية من أوهام الحسم الكامل أو الإقصاء النهائي.

وفي هذا السياق، تبدو التفاهمات الجارية ـ إن اكتملت ـ أقل شبها باتفاق نهائي بقدر ما هي اعتراف متبادل باستحالة فرض الإرادة الكاملة بالقوة. وهذا بحد ذاته يكشف الفارق الكبير بين لغة الحرب التي تَعِدُ بتحولات كبرى، وبين لغة السياسة التي تنتهي غالبا إلى تسويات معقدة ومؤقتة تحكمها موازين المصالح لا الشعارات.


مشاهدات 142
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/05/25 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/05/26 - 3:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 203 الشهر 25252 الكلي 15870446
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير