اليورانيوم المخصب كذريعة حرب: خيار مكلف يوسّع الصراع ويعقّد نهاياته
محمد علي الحيدري
تفتح التقارير الأميركية، كالتي نشرتها مؤخرا وول ستريت جورنال وفاينينشيال تايمز، نقاشًا شديد الحساسية حول ربط الحرب الدائرة بخيار الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني المخصب. هذا الربط لا يمثل مجرد تفصيل تقني في مداولات الأمن القومي الأميركي، بل ينقل الحرب من إطارها السياسي - العسكري التقليدي إلى مستوى استراتيجي بالغ التعقيد، تتداخل فيه اعتبارات السيادة، والردع النووي، والقانون الدولي، وإدارة ما بعد الصراع.
من الناحية الاستراتيجية، فإن إدخال هدف الاستيلاء الفيزيائي على اليورانيوم المخصب إلى أجندة الحرب يعني عمليًا الإقرار بأن الضربات الجوية أو العمليات المحدودة لم تعد كافية لتحقيق الغاية المعلنة. فالمواد النووية لا يمكن تحييدها بالقصف وحده، بل تتطلب وجودًا بشريًا مباشرًا لتأمين المواقع، التحقق من الكميات، نقلها، ومنع إعادة تدويرها. وهذا ما يحوّل الحرب، تلقائيًا، من صراع قابل للاحتواء إلى عملية برية مفتوحة المدى، ذات كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة.
تكمن المعضلة الأولى في أن هذا الخيار يفترض معرفة استخبارية كاملة ودقيقة بمواقع اليورانيوم المخصب، في حين تشير معظم التقديرات إلى أن إيران عملت، منذ سنوات، على توزيع هذه المواد وتحصينها وإخفاء جزء منها تحسبًا لسيناريو كهذا. وعليه، فإن أي عملية برية لا تضمن بالضرورة تحقيق الهدف المركزي، لكنها تضمن بالمقابل توسيع رقعة الاشتباك وتعميق الانخراط الأميركي في الداخل الإيراني، بما يحمله ذلك من مخاطر استنزاف طويلة الأمد.
أما المعضلة الثانية، فهي سياسية - قانونية بامتياز. فالاستيلاء على مواد نووية داخل أراضي دولة ذات سيادة، حتى في سياق حرب، يفتح بابًا واسعًا للطعن في مشروعية العملية، ويمنح الطرف المستهدف سردية قوية عن نهب استراتيجي يتجاوز منطق منع الانتشار النووي. هنا، لا تعود الحرب نزاعًا حول سلوك إقليمي أو برنامج نووي، بل تتحول إلى معركة حول الكرامة الوطنية والسيادة، وهي معركة غالبًا ما تُدار بزمن أطول ونفس تعبوي أعلى.
وتبرز المعضلة الثالثة في ما بعد النجاح المفترض. فحتى لو افترضنا جدلًا أن القوات الأميركية نجحت في الاستيلاء على كميات من اليورانيوم المخصب، يبقى السؤال: ماذا بعد؟ هل يُنهي ذلك الحرب؟ أم يدفع إيران إلى إعادة بناء برنامجها النووي بسرية أكبر، وبقناعة راسخة بأن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار السيناريو؟ في هذه الحالة، يكون الخيار قد حقق نتيجة عكسية، إذ حوّل منع الانتشار إلى دافع إضافي للتسلح.
استراتيجيًا، يبدو ربط الحرب بهدف الاستيلاء على اليورانيوم المخصب مقامرة عالية المخاطر، لأنه يرفع سقف الأهداف من الردع إلى التحكم الكامل، وهو سقف نادرًا ما تحققه الحروب الحديثة دون أثمان باهظة. كما أنه يقيد خيارات الخروج، إذ يصبح الانسحاب أو التهدئة مشروطين بإنجاز مادي ملموس، لا بتفاهم سياسي أو وقف إطلاق نار قابل للتسويق داخليًا.
في الختام، ومع استمرار النقاش الأميركي الداخلي حول هذا الخيار في الفترة المقبلة، ستتضح أكثر كلفة تحويل مسألة تقنية نووية إلى ركيزة حرب. المؤكد أن اليورانيوم المخصب، بحد ذاته، ليس مجرد مادة، بل عقدة استراتيجية؛ ومن يربط حربًا كاملة بمحاولة الاستيلاء عليه، إنما يربط مصير تلك الحرب بتعقيدات قد تتجاوز بكثير القدرة على التحكم بمسارها أو توقيت نهايتها.