جمهورية الرواتب
رشيد العجيل
في جمهورية الرواتب هل ينجح رئيس الوزراء العراقي الجديد في تفكيك أرث المحاصصة وهو يقف على عتبة السلطة في لحظة عراقية بالغة الحساسية، حاملاً معه ملفاً شخصياً مثيراً للجدل لا يقل تعقيداً عن الأزمات التي ورثها. فالرجل الذي جاء إلى رئاسة الوزراء لا يحمل فقط أعباء دولة منهكة، بل يحمل معه أسئلة لم تُجَب بعد، وظلالاً لم تنحسر بعد.
لا يمكن قراءة مشهد وصول السيد علي الزيدي إلى سدة الحكم بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي. فمنذ عام 2003، لم يصل رئيس وزراء عراقي إلى منصبه دون مباركة أطراف خارجية، وواشنطن لم تكن يوماً غائبة عن هذا المشهد. تشير المعطيات المتاحة إلى أن الزيدي يُمثل خياراً مريحاً للمصالح الأمريكية في المنطقة؛ رجل تكنوقراطي الصورة، براغماتي الخطاب، يُتقن لغة الاقتصاد والإصلاح التي تُسوّق جيداً في الغرب، دون أن يُحرج المشهد الإقليمي بمواقف استفزازية.
واشنطن التي خسرت نفوذاً ملموساً في العراق خلال السنوات الأخيرة لصالح طهران، تجد في الزيدي فرصة لاستعادة جزء من هذا الموقع عبر “الباب الاقتصادي”؛ شراكات استثمارية، انفتاح على الشركات الغربية، وموازنة مع النفوذ الإيراني دون مواجهة مباشرة. السؤال الحقيقي هو: هل البصمة الأمريكية على هذا الاختيار تخدم العراق فعلاً، أم أن الزيدي مجرد ورقة في لعبة نفوذ أكبر؟
الثروة المفاجئة: علامة استفهام لا يمكن تجاهلها
لا يمكن الحديث عن علي الزيدي دون الإشارة إلى السؤال الذي يتداوله العراقيون في الأوساط السياسية والشعبية: كيف تحوّلت عائلة الزيدي من وضع اعتيادي إلى ثروة لافتة في غضون سنوات قليلة عقب عام 2003؟
هذا النمط ليس حكراً على عائلة بعينها، فالعراق ما بعد 2003 شهد ظاهرة موثقة وموسعة يمكن تسميتها “ثروات اللحظة السياسية”؛ أي تلك الثروات التي لا تنمو من خلال عمل أو إنتاج أو استثمار حقيقي، بل تتشكل في مناطق التقاء السلطة بالمال العام والعقود والتراخيص. وحين يكون صاحب هذه الثروة على أعتاب منصب قرار، فإن الأمر يتجاوز الفضول الشخصي إلى مسألة حوكمة وطنية جوهرية.
الزيدي لم يُقدّم حتى الآن تفسيراً شافياً لهذا الملف، ولم تُجرِ أي جهة رقابية تحقيقاً علنياً شفافاً في المصادر. الصمت في هكذا ملفات ليس براءة، لكنه في السياق العراقي أصبح لغة مألوفة.
أزمة الدولة: جمهورية الرواتب لا تُصلح نفسها بنفسها
المشهد الاقتصادي والفساد الذي يرثه الزيدي يكشف عن خلل هيكلي عميق. قرابة ٢ مليون عنصر في المنظومة الأمنية بكل تشعباتها، إلى جانب جيش مضاعف موازٍ من موظفي الدولة والمتقاعدين اضافة إلى التناقضات في هذه الرواتب والامتيازات التقاعدية ، في حين تحتضر قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا على هامش الاهتمام. العراق لا يُعاني من شُح الموارد، بل من إدمان مُمنهج على الريع النفطي لتمويل بطالة مقنعة تُسمى “توظيفاً حكومياً”.
هذه المنظومة لم تنشأ بالصدفة، بل بُنيت بعناية على مدار عقدين من المحاصصة، حوّلت التوظيف العام من حق مكتسب إلى غنيمة جهادية أو حزبية، وجعلت الدولة مُختطَفة بالتراضي بين قوى لا تريد لهذا النظام أن يتغير لأنها تعيش عليه.
هل يمتلك الزيدي ما لا نراه؟
السؤال الأكثر إلحاحاً يظل معلقاً: هل يمتلك علي الزيدي فعلاً ما يؤهله لكسر هذه الدائرة المفرغة؟ هل خلف الصورة التكنوقراطية المصقولة، وخلف الدعم الغربي الواضح، وخلف الأسئلة المُعلّقة حول ثروة العائلة، يوجد مشروع وطني حقيقي؟
النجاح يشترط شجاعة كسر المحاصصة من الداخل، واستقلالية حقيقية لا تنحني لا لطهران ولا لواشنطن حين يتعارض ذلك مع المصلحة العراقية، وإرادة حقيقية للانتقال من “دولة الرواتب” إلى الصناعة ودولة البتروكيماويات والمزارع الذكية والاقتصاد الرقمي. كما يستلزم شفافية استباقية في ملف الثروات العائلية لإسكات الأسئلة قبل أن تتحول إلى أسلحة بيد خصومه.
خاتمة: التاريخ لا يرحم المترددين
العراق يملك كل شيء إلا القرار الجريء. والزيدي يمتلك كل أوراق اللعبة الظاهرة، لكن ما لا نراه هو من سيحسم المعادلة. إن كانت البصمة الأمريكية على اختياره مقدمة لإصلاح حقيقي يخدم العراقيين، فذلك مكسب بغض النظر عن مصدره. وإن كانت مجرد إعادة إنتاج للوصاية بعباءة جديدة، فالعراق يكون قد دفع ثمن وهمٍ آخر من جيب أبنائه.
نتمنى للسيد علي الزيدي النجاح وقيادة السفينة لبر الأمان لأن التأريخ لن يسأل من أين جاء ، بل ماذا فعل حين أمسك بزمام السلطة.