الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجاذبية السيادية بوصفها خياراً وجودياً لا تكتيكياً

بواسطة azzaman

الإحتباس الجيوسياسي ومقصلة الفراغ

الجاذبية السيادية بوصفها خياراً وجودياً لا تكتيكياً

كاظم نزار الركابي

 

يغفل السياسيون المسؤولون احيانا ان الوقائع والأحداث التي تجري في المحيط الخارجي لبلدانهم، مثل الموجة التي تترقرق في دوائر متتالية تصل الى الجرف، حين ترمى حجرة وسط بركة ماء ساكنة.

في عالم السياسة، تمثل تلك الحجرة، الحدث الذي يقع في المحيط الخارجي، فيما يشكل الجرف حدود الدولة الواقعة ضمن ذلك المحيط، التي هي ليست سوى البركة التي اطمأن المسؤول الى سكونها، لأنه اعتقد سلفا بأن النظام الذي انشأه، مستقر ومتين، ولا يتأثر بالتحولات البنيوية للدول التي في محيطه، الا اذا شاء هو نفسه ان يتعامل مع تلك التحولات وفق ما يرى، ومن دون ان يدرك ان التحولات البنيوية العميقة لكل المحيط، سواء القريبة منها او البعيدة، تُعيد صياغة معادلات القوة من جذورها.

ما جرى في ماراثون التفاوض الأخير بين واشنطن وطهران عبر القناة الباكستانية كان واحدة من هذه التحولات العميقة والساعات الفارقة في تاريخ النظام الدولي؛ لم يكن جولةً عسكرية تُختتم بهدنة مؤقتة وتُنسى، وانما كان إعلاناً صريحاً عن ميلاد نظام ضغط كوني جديد لا يتيح للخصم ترف اللعب بالوقت الذي لجأ اليه في كل ممارساته، باعتباره السلاح الأمضى وورقته الأقوى. عشرون ساعة فقط أسقطت ستراتيجية “المماطلة المحسوبة” التي انفقت من اجلها ايران، عقوداً كاملة لتحصين نظام ظنت ان من عوامل متانته واستقراره، تلك الستراتيجية التي تفتت على ورقة مكتوبة، وضعت امام الوفد المفاوض مصحوبة بعبارة:” الخيار لك...خذها او اتركها.

هذا الإيقاع المتسارع تجلٍّ عملي وحي لما يمكن ان نُسميه بـ”الاحتباس الجيوسياسي”: حالة بنيوية تنقلب فيها آليات إدارة الأزمة رأساً على عقب، وتُستعاض فيها عن دبلوماسية الصبر وتوازن القوى الكلاسيكي بمنطق “غرفة الضغط” المحكمة، تلك الغرفة التي تُحيل كل ثانية ضائعة إلى تنازل جغرافي أو سيادي غير قابل للاسترداد. الزمن في هذا المنطق الجديد سلاح بيد من يمتلك زمام المبادرة وحده، وعقوبة قاسية في يد من يُدار لا من يُدير.

هندسة الفراغ: تجريف عصب المستقبل

الضربات الأخيرة التي طالت إيران حملت بصمة عقيدة ستراتيجية جديدة كلياً. استهداف محطات الطاقة ومراكز الذكاء الاصطناعي في جامعة شريف للتكنولوجيا في قلب طهران، والتصفية المنهجية الدقيقة لرأس الهرم الاستخباراتي في عملية بالغة الإحكام، يكشف أن القوى الكبرى تخوض اليوم حرباً من نوع مختلف تماماً. هذا الانتقال النوعي في بنية الاستهداف يُجسّد عقيدة “هندسة الفراغ”: القوى الكبرى تعمل اليوم بوعي تقني فائق الدقة على تجريف عصب المستقبل، أي نزع القدرة المعرفية والتكنولوجية والمعلوماتية من الكيانات المنافسة وإعادتها قسراً إلى ما قبل عصر الردع الرقمي، وتحويل جغرافيتها إلى ثقب أسود يفقد القدرة على التفكير قبل أن يفقد القدرة على المقاومة.

فهم هنري كيسنجر، ثعلب سياسة اليانكي، هذا المنطق مبكراً حين أكد أن القوة الحقيقية في عالم الغد تُقاس بالقدرة على التحكم في تدفق المعلومات واحتكار صنع القرار التقني. الكيانات التي تعاني من هشاشة مؤسساتية وما يُعرف بـ”سيولة الدولة” تُعامل في هذا المناخ كمساحات اختبار مفتوحة لمختبرات الأسلحة التكنولوجية الجديدة، تُمسح فيها الحدود السياسية ويعاد رسمها بقرارات تصدر من عواصم بعيدة لا تعبأ بهياكلها المؤسساتية ولا بسرديات استقلالها المُعلن. الضعيف في زمن هندسة الفراغ لا يخسر المعركة فحسب، وانما يخسر قدرته على خوض أي معركة مستقبلية، وهذا هو جوهر الستراتيجية الجديدة وغايتها القصوى. الأشد خطورة أن هندسة الفراغ لا تستهدف الجسد العسكري وحده، إنما تستهدف العقل الجمعي للدولة؛ قدرتها على الاستشراف والتخطيط والردع المعرفي. الدولة التي تفقد عصبها التكنولوجي تتحول إلى كيان يتفاعل مع الأحداث ولا يصنعها، ويستجيب للضغوط ولا يُحددها، ويقرأ الخرائط التي رسمها غيره ولا يرسم خرائطه بنفسه.

العراق وأزمة العواصم العمياء

في قلب هذه العاصفة الكونية يقف العراق، مكشوفاً لرياح الاحتباس الجيوسياسي من كل اتجاه، محاطاً بخرائط تُفرَّغ من محتواها الستراتيجي تحت وطأة الصراعات الكبرى. التهديد الخارجي واضح وقابل للقياس، غير أن الخطر الأعمق يسكن الداخل في صورة ما يمكن تسميته بـ”متلازمة العواصم العمياء”: تلك الحالة التي تنشغل فيها النخب السياسية بترتيب توازنات المحاصصة واقتسام غنائم السلطة اليومية، والصفائح التكتونية الكبرى تبتلع دولاً بأسرها على تخوم العاصمة الغافلة.

القرار السيادي في المنطق الستراتيجي الجديد درعٌ تقني واقتصادي بالمعنى الحرفي والعملي، درع تصنعه المؤسسات الراسخة والإرادة السياسية الحازمة والاستثمار المتواصل في القدرات التقنية. والدول التي تفتقر إلى هذا الدرع تجد نفسها خارج طاولة التسويات الكبرى، وتدفع فاتورة القرارات الإقليمية من أمنها القومي ومن ثروات أجيالها القادمة ومن وجودها الجغرافي ذاته. هنا يكمن الفارق الجوهري الذي رصده فوكوياما في تحليله لأسباب انهيار الدول: المؤسسات الراسخة والقدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى حوكمة فاعلة ومتجددة هي التي تصنع البقاء، وغيابها هو الطريق المعبّد نحو الانهيار.

الرهان على التحالفات الهشة والضمانات الشفهية والوعود الدبلوماسية المعلّقة في الهواء يستحضر ما رصده هيكل ببصيرته الثاقبة عن الدول التي تمشي إلى مصيرها بأعين مفتوحة وعقول مغلقة وإرادة مشلولة. الفراغ السيادي يستدرج الافتراس دائماً، ويحيل الجغرافيا إلى ساحة تُحدد توازناتها قوى لا تحمل هموم أصحابها ولا تكترث بمصائرهم. الطبيعة تكره الفراغ، والجيوسياسة تكرهه أشد وأعمق، وتملأه بما يخدم القوي لا بما يُنصف الضعيف.

العراق بما يمتلك من ثروات طبيعية وعمق حضاري وموقع جغرافي، يتيح لأية قيادة وطنية، تفهم ان الدولة ليست بركة ساكنة، تأسيس جاذبية سيادية حقيقية، لأن المشكلة ليست في شُح الإمكانات، إنما في تبديدها على معارك صغيرة وحسابات ضيقة، في وقت يعاد فيه رسم الخرائط الكبرى حول حدوده وعلى حسابه.

الجاذبية السيادية: عقيدة الخروج الوحيدة

الخروج من مقصلة الفراغ يستلزم تفعيل عقيدة “الجاذبية السيادية” بوصفها منهجاً شاملاً لا شعاراً مرحلياً. في الفيزياء، الكتلة الصغيرة تكتسب مدارها الخاص حين تبلغ من الكثافة ما يمنحها جاذبية ذاتية تُقاوم بها جاذبية الأجسام العملاقة المحيطة بها. الدولة التي تمتلك كتلةً مؤسساتية واقتصادية صلبة تُولّد جاذبيتها السيادية الخاصة، وتحول دون انجرار مكوّناتها نحو فلك المشاريع الإقليمية المتنافسة التي تتغذى على الفراغ وتتكاثر فيه.

تقوم هذه العقيدة على ثلاث ركائز صلبة لا تقبل التجزئة ولا المساومة: الركيزة الأولى: المركزية الحازمة في صنع القرار الستراتيجي. القرار الستراتيجي الحقيقي يولد في غرف تعمل بمعزل تام عن ضغوط المحاصصة وحسابات الاستحقاقات الحزبية الضيقة. الدول التي تُخضع قرارها الوجودي لمنطق التوافق الهش تُحوّله إلى وثيقة مفتوحة يقرأها الخصم قبل أن تُوقّع عليها الحكومة.الركيزة الثانية: الاستثمار في التكنولوجيا السيادية بوصفها أولوية وجودية. في زمن هندسة الفراغ، التكنولوجيا السيادية هي الجدار الأول والأخير. الدول التي تُهمل بناء قدراتها التكنولوجية المستقلة تُسلّم مفاتيح قرارها للخارج، وتتحول إلى مستهلكين لأدوات الآخرين في اللحظة التي تحتاج فيها أشد ما تحتاج إلى امتلاك أدواتها الخاصة.

الركيزة الثالثة: القطيعة الجذرية مع أوهام الارتهان للخارج. الأدوات الدبلوماسية التقليدية أثبتت عجزها الكامل أمام منطق الاحتباس الجيوسياسي. العالم الجديد يحترم الندّية ويتعامل مع الأقوياء، وكما حلّل فريد زكريا ظاهرة عالم ما بعد الأحادية القطبية: العالم الجديد يُعيد رسم الخرائط بصرف النظر عمّن يعترض، ويمضي في طريقه بصرف النظر عمّن يتردد.

هذا العبء الوجودي يقع بكامله على عاتق “نخب القطيعة التاريخية”، تلك الطبقة الفكرية والسياسية المطالبة اليوم بإعلان حالة الطوارئ الستراتيجية قبل أي استحقاق انتخابي أو توافق حكومي. بناء الدولة المحصّنة معرفياً وتكنولوجياً ومؤسساتياً هو المسار الوحيد المتاح في زمن لا يرحم المتأخرين.

المساحات الرمادية احترقت تماماً، والخيارات الوسطى تلاشت تحت نيران الاحتباس الجيوسياسي. الوقوف في المنتصف انزلاق تدريجي وخيم نحو هاوية “الهندسة العكسية للخرائط”، تلك الهاوية التي لا تسأل عن الهوية ولا تعترف بالتاريخ ولا تُقدّر الحضارة.

الجاذبية السيادية هي الخيار الوجودي الأول والأخير: إما تكثيفها وبناءها بعزيمة النخب التي تعرف ثقل اللحظة، أو التلاشي الحتمي في فوضى عالم يُعيد رسم نفسه بلا رحمة ولا انتظار.

 


مشاهدات 52
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/04/20 - 2:40 PM
آخر تحديث 2026/04/21 - 4:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 197 الشهر 17518 الكلي 15235591
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير