أنطولوجيا الفراغ.. الدولة بين شخصنة الصراع وإستحقاقات التموّضع
كاظم نزار الركابي
في وقت تضج فيه المنطقة باحداث تتسارع وكأنها تقود الى نهاية العالم، يبدو الزمن وكأنه توقف في البلاد، فعقرب الدقائق في الساعة العراقية يتذبذب بين الثواني، في حين توقف عقرب الساعة على فراغ بين رقمين، تماما كما يحدث في ساعة جدارية، نفد خزينها.
شهدت الدورات الانتخابية التي جرت على الدوام، تعقيدات في اختيار الرئاسات الثلاث التي يناط بها تشكيل الحكومة وتسيير امو البلاد، ادت في كل دورة الى تأجيلات تفرضها دوما مطامح شخصية للقوى السياسية المتنفذه التي تشغلها اتجاهاتها، اثناء جدالاتها ونقاشاتها عن النظر الى الساعات المعلقة على جدران قاعات الاجتماعات والتي يتوقف في جميعها الزمن.
ما يجري في دواخل “الإطار التنسيقي” من تأجيلات متكررة ومناورات لا تنتهي، لم يعد لا يعكس خلافاً سياسياً عابراً بين أطراف تتفاوت في رؤاها، وانما بات يشكل أزمة بنيوية في عقيدة الدولة ذاتها، فحين تغيب البرامج الوطنية وتحل محلها صراعات محتدمة حول توزيع الأشخاص على المناصب، تتحول المؤسسة من أداة لصنع المستقبل إلى ساحة لإعادة إنتاج الأزمة التي لا تنتهي بمجرد تغيير الأشخاص، وانما تتطلب تغيير العقل الذي يُنتجها.
من شخصنة السلطة إلى عقلنة الدولة
كتب فرنسيس فوكوياما في تحليله لمسارات بناء الدول أن: الفرق الجوهري بين الدول الراسخة والدول الهشة لا يكمن في حجم ثرواتها ولا في عدد جيوشها، إنما في مدى قدرتها على بناء مؤسسات تتجاوز في عمرها وفاعليتها عمر أصحابها، فالدولة التي تقوم على “أشخاص بلا برامج”، دولة تتجدد أزمتها مع كل استحقاق انتخابي، وتُعيد إنتاج هشاشتها مع كل حكومة جديدة.
مقولة فوكوياما هذه، تتجسد في البلاد اليوم، في أكثر صورها كثافة وإيلاماً. إن الارتهان باختيار الأشخاص بدلاً من تثبيت البرامج والمسارات المؤسساتية يفصح بنحو جلي عن فقدان عميق للرؤية الستراتيجية. النخب المنغلقة في “غرف التوافقات” الضيقة تُدير حواراً مع نفسها بينما تُدار من حولها حوارات أخرى أكثر خطورة وأبعد أثراً في خرائط المنطقة. وما يُسمى “إدارة الأزمة” في أغلب الأحيان ليس سوى تأجيل ممنهج لساعة الحسم، وكل تأجيل يُنتج فراغاً، وكل فراغ يستدعي بالضرورة من يملأه.
تجاوز هذه الحالة يستلزم تفعيل ما يمكن تسميته بـ”العقل الستراتيجي المؤسساتي”، الذي يضع الكفاءة فوق الولاء، ويضع برنامج الدولة فوق حسابات الشخص، ويُدرك أن المؤسسة الراسخة هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الكيان في مواجهة العواصف الكبرى.
لحظة باكستان واستحقاقات الجغرافيا الحارقة
حين جلس المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون على طاولة إسلام آباد، كانت بغداد غائبة عن الطاولة حاضرة على الخريطة. هذه المفارقة تُلخص واقعاً مؤلماً: العراق جزء من كل معادلة إقليمية كبرى، لكنه غائب عن صياغة أي منها. محاولات واشنطن لإعادة هندسة توازنات المنطقة تتجاوز حدود الحوارات الدبلوماسية التقليدية لتصل إلى مرحلة ما يمكن وصفه بـ”التقليم الستراتيجي”: إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، وتحديد من يجلس على طاولة الفاعلية ومن يُكتفى بإخطاره بالنتائج.
العراق في هذه اللحظة الفارقة يقف أمام خيارين حقيقيين لا ثالث لهما: الانخراط الفاعل في رسم ملامح دوره المستقبلي بإرادة واضحة وبرنامج محدد وقرار سيادي جريء، أو البقاء في دائرة الانتظار حتى تنتهي صفقات الآخرين ثم استلام النتائج كأمر واقع، سيما و أن « انسيابية المديات « التي تحكم المشهد الإقليمي الراهن لا تمنح هامشاً للمترددين؛ فالمنطقة تُعاد صياغة جغرافيتها بسرعة لم تشهدها منذ رسم خرائط سايكس بيكو، والغائب عن هذه الصياغة لا يُستشار لاحقاً، بل يُخطر بالنتائج.
فلسفة الفراغ
الفراغ في الدولة ليس غياباً سياسياً، إنه حالة فلسفية تسبق السياسة وتولّدها. حين تغيب الرؤية تولد الفوضى، وحين تغيب المؤسسة تحل الشخصنة، وحين تغيب السيادة يتكاثر الأوصياء، وهذا ما حذر منه محمد حسنين هيكل حين كتب: أن الفراغ لا يبقى فراغاً، إنما يستدرج من يملأه، وليس من يملأ الفراغ دائماً من يحمل همّ أصحابه. العراق يمتلك من مقومات القوة ما يجعله رقماً حقيقياً في معادلة المنطقة: موقع جغرافي يربط شرق العالم بغربه، وثروات طبيعية تجعله في قائمة أكبر احتياطيات الطاقة والاقتصادات النفطية، وعمق حضاري يمتد آلاف السنين، وشعب أثبت في اشتداد الأزمات، قدرات استثنائية، وكل هذه المقومات معطّلة، ليس بسبب شُح الإمكانات، وانما بسبب سوء توظيف الإرادة. والإرادة السياسية حين تتفتت في متاهات الشخصنة والمحاصصة تتحول أكبر الثروات إلى عبء وأضخم الجيوش إلى أداة ضغط داخلية لا قوة ردع خارجية. ما يُحدد مصير الدول حسبما تروي وقائع التاريخ، ما تمتلكه من رؤية، وليس ما تمتلكه من موارد. كتب توماس فريدمان أن الدول التي تنجح في القرن الحادي والعشرين هي تلك التي تبني مؤسساتها على مبدأ الكفاءة المتجددة لا على مبدأ الولاء الجامد، وتلك التي تحوّل ثرواتها إلى قدرة تكنولوجية تُنتج القرار لا تلك التي تستهلكها في حروب الأروقة الداخلية. استعادة المبادرة: من ساحة تصفية إلى مركز فاعلية مستقبل الدولة العراقية لا يُصنع في غرف التوافقات المغلقة، إنما يُصنع في لحظة القطيعة الكبرى مع ثقافة التأجيل. استبدال لغة “الانتظار” بلغة “المبادرة المؤسساتية” ليس شعاراً خطابياً، إنه برنامج عمل يبدأ بقرارات صارمة: تثبيت البرامج فوق الأشخاص، وتكريس الكفاءة معياراً لا الانتماء، وبناء سياسة خارجية تقوم على المصالح الثابتة لا على الارتهان للمحاور المتبدلة.
زمام المبادرات
السيادة فعل زمني يرتهن باجزاء الساعة واليوم، وليست تصريحا موسميا، ومن هنا ينبغي ان تُمارَس بامتلاك زمام المبادرة في كل قرار، وبقراءة خرائط النفوذ قبل أن تُرسم لا بعد أن تُعلن، وبالحضور الفاعل في كل طاولة تُحدد مصير المنطقة لا بانتظار دعوة لا تأتي.
العراق يملك فرصة حقيقية أن يتحول من “ساحة تصفية الحسابات الإقليمية” إلى “مركز فاعلية وقرار”. هذا التحول لا تصنعه الجغرافيا وحدها ولا الثروة وحدها، يصنعه عقل ستراتيجي يُدرك ثقل اللحظة ويرفض ترف التأجيل.
التاريخ لا يُسجل لمن انتظر، إنما يُسجل لمن بادر ببناء مشروع وجودي يتجاوز صغائر اللحظة وحسابات الشخص. ورهان العراق الأخير والأعمق ليس في نتائج مفاوضات باكستان ولا في موازين القوى الإقليمية المتحولة، إنما في قدرة نخبه على أن تُقرر أخيراً: أيُّ عراق تريد للأجيال القادمة، وهل تملك الجرأة الفكرية والإرادة السياسية لبناء هذا العراق؟.