إنبعاث الهوية الوطنية من رماد الطائفية
عبد الرزاق محمد الدليمي
العراق مهد لأقدم الحضارات البشرية وأرض الرافدين كان مثالاً حياً للتنوع الإنساني الفريد. إلا أن هذا التنوع الذي كان ينبغي أن يكون مصدر ثراء وقوة تحول بعد الاحتلال 2003 إلى ثغرة نفذت منها الطائفية البغيضة والعنصرية الفجة لتمزق النسيج الاجتماعي وتنهك جسد الدولة. اليوم يقف العراق أمام مفترق طرق تاريخي .... إما الغرق في وحل الهويات الفرعية الضيقة التي جائتنا من وراء الحدود أو الانبعاث من جديد تحت راية الهوية الوطنية العراقية الجامعة.
إن الطائفية في العراق لم تكن يوماً خياراً شعبياً عفوياً بل كانت نتاج تزاوج مرير بين صراعات سياسية داخلية وأجندات خارجية سعت لتحويل المجتمع العراقي الجميل إلى مكونات متناحرة بدلاً من مواطنين متساوين. هذه الآفة لم تكتفِ بتعطيل عجلة التنمية وتدميرها بل استنزفت الأرواح والموارد طيلة 23عاما وجعلت الولاء للمذهب أو الحزب يتقدم على حساب الولاء للوطن مما أدى إلى تخلف مؤسسات الدولة وغياب العدالة الاجتماعية.
صرخات مدوية
ومع ذلك أثبتت المحن المتتالية أن الهوية الوطنية العراقية ماتزال عصية على الانكسار. فقد تجلت ملامح الهوية الوطنية الصافية في أبهى صورها خلال الأزمات الكبرى حين امتزجت دماء العراقيين من الجنوب والشمال في المعارك ضد الإرهاب وتغول المليشيات المسلحة وفي الصرخات المدوية للشباب المحتج الذي رفع ومايزال شعار نريد وطن ...هذا الشعار لم يكن مجرد مطلب سياسي عفوي او عاطفي بل كان إعلاناً صريحاً عن موت ووأد الطائفية والعنصرية في وجدان الجيل الجديد في كل العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه وبحثاً عن دولة المواطنة الحقيقية التي لا تفرق بين أبنائها على أساس الاسم أو الانتماء الطائفي دولة المساواة والعدالة والقانون.
إن الخلاص من شبح الطائفية يتطلب من بعضهم ؟! شجاعة في مراجعة الذات والانتقال من دولة المكونات الطائفية والعنصرية إلى دولة المؤسسات وهذا لن يتحقق إلا من خلال بناء نظام تعليمي يغرس قيم التسامح ومنظومة قانونية حقيقية تحمي الفرد بصفته عراقياً أولاً وأخيراً.
إن الهوية الوطنية العراقية ليست مجرد علم يُرفع أو نشيد يُعزف بل هي عقد اجتماعي متين يضمن الحقوق والواجبات لجميع من يؤمن بهذا الوطن (العراق اليوم) بتركيبته الغنية الجميلة وهو بها قادر على أن يكون نموذجاً للتعايش والعيش الكريم كما كان دوما شريطة أن يدرك أبناؤه أن قوة الوطن تكمن في وحدة مصيره وأن الطائفية والعنصرية ليستا إلا جداراً وهمياً سيسقط بمجرد أن نؤمن بأن العراق هو المظلة التي تسعنا جميعاً وأمامنا اليوم فرصة لا تعوض لتحقيق ماينشده كل العراقيين في بناء دولة المواطنة بعيدا عن الطائفية والعرقية والمناطقية الخالية من الفساد والمفسدين .. عراق يقوده اهله الحقيقين .