الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شظايا ورماد

بواسطة azzaman

شظايا ورماد

محمد زكي ابراهيم

 

من أعجب العجب أن ينبري البعض ممن ملأ قلوبهم الرعب، وعشعش في نفوسهم الهلع، بالصراخ والعويل، وهم يرون شظايا الحرب الدائرة الآن بين القوى الكبرى، تطال أرضهم بين الحين والآخر، محدثة بعض الضرر هنا، وشيئاً من الخسائر هناك. دون أن تجد لها مصغياً، أو مجيباً.

  ومكمن العجب أن هذه الحرب التي تدور رحاها بين دولة في شرق البلاد ودول أخرى غربها،  لا تستطيع مهما حاولت تحاشي أراضينا أن تستخدم ممرات أخرى، فالموقع الجغرافي الفريد الذي طالما تغنينا به، وعقدنا الآمال عليه، جعلنا في منتصف الطريق السالكة للطائرات المأهولة وغير المأهولة، والمقذوفات الذكية وغير الذكية، وليس ثمة بد من الرضوخ لها، بأي شكل من الأشكال.

  وهكذا فإن الموقف الذي تبناه العراق عن غير قصد، وهو مراقبة الرائحين والرائحات، والغادين والغاديات، دون تدخل أو تذمر أو أنين، إنما ينم عن (حكمة متعالية) فرضتها الظروف والأحوال وموازين القوى في العالم.

مثل هذا الأمر لا يمنع من وقوع بعض الإصابات، ولا يحول دون الهجوم على القواعد والسفارات، أو التسلل في صحراء مقفرة لبعض الوقت، ويبرر التغاضي عنها، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا!

  أي أن تنديد البعض بغفلة السلطات الرسمية عن مثل هذه الانتهاكات، هو الأمر الغريب بالفعل، فالعراق ليس في وضع يمكنه أن يرد بقوة، أو يكون طرفاً في حرب ضروس، ستقرر مصير المنطقة، وتغير موازين القوى، وتطيح بالولاءات القديمة من شاهق.

  إن نتائج هذه الحرب التي حاولنا تفادي الوقوع فيها بأي ثمن، ستأتي بواقع جديد، كنا نتطلع إليه من سنوات طويلة، وهو امتلاكنا زمام أنفسنا، واستقلالنا الفعلي، وتحولنا إلى رقم (صعب) في المنطقة.

مثل هذا الأمر سيبعث في نفوسنا الغبطة دون شك، ويجعلنا نمتلك بعض الجرأة، فقد كنا لأمد طويل نخضع لهيمنة لم نستطع تجاهلها أو الإفلات منها، وكنا على الدوام مجبرين على الخضوع لها، وتقبل الإملاءات منها.

  إن انحسار هذه الهيمنة لن يقتصر على النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري، فهناك ما هو أشد منه خطراً، وهو الثقافة، وقد كنا أسارى لما صدره إلينا الغرب من نظريات وأفكار في مختلف شؤون المعرفة، لم توفر الأدب والدين والأخلاق من التشويه، ولا الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية من التحريف.

ولم يلبث أن جعلنا عبر وسائله الإعلامية وتقنيات اتصاله، ندين بالتبعية له في كل شيء. دون أن ندرك أننا وقعنا في الفخ، إلا بعد وقت ليس باليسير.

  إن التبعية الحقيقية لا تقوم على تجييش الجيوش، ولا تنحصر بعقد التحالفات، ولا تكتمل بفرض المشورة، فحسب، بل تتحقق بالانقياد الأعمى في كافة شؤون الحياة. فهي لون من ألوان العبودية التي تحرر منها العالم قبل زمن طويل.

ومن مظاهرها اعتناق الأفكار والنظريات والعادات السائدة، أي أنها تعني الإملاءات غير القابلة للنقاش، والاتباع غير المشروط بالرضا والقبول.

وإذا ما تحقق مثل هذا الانعتاق، وزالت عنا الغشاوة، فحينها سنكون قد ربحنا أفضل ما كنا نتوق إليه منذ عصر الاستعمار، إلى يومنا هذا.

لقد رحلت جيوشه إلى غير ما رجعة، لكنها تركت في النفوس آثاراً لا تمحى. وفي العقول انطباعات لا تزول.

 هذا ما ننتظر أن ينتهي بنهاية هذه الحرب، ويتلاشى بعد أن يخمد أوارها، وسيجعلنا ذلك إذا ما حدث راضين بكل ما يسقط منها على أرضنا الآن من شظايا قاتلة، أو يتناثر فوق شعابنا من رماد خانق، لأن هذه الأعراض هي الثمن الذي تدفعه الشعوب من أجل استعادة هويتها، وكرامتها، وثقافتها القومية.

 


مشاهدات 55
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/05/23 - 2:44 PM
آخر تحديث 2026/05/25 - 9:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 683 الشهر 24618 الكلي 15869812
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير