رؤية في سوسيولوجيا القهر وإنبعاث الأمل
عبد المنعم حمندي
إن الراهن العربي اليوم لا يُقرأ بوصفه تعثراً سياسياً فحسب، بل هو شرخ فلسفي غائر في بنية «الوجود». نحن أمام مدن لم تعد تفقد جدرانها فقط، بل تفقد «معناها»، حيث تحول الاستبداد من ممارسة سلطوية إلى حالة «جيولوجية» تغلغلت في دم الحصى وأنفاس البشر. هنا، تمارس القوى الغاشمة، محلياً ودولياً، عملية «تصحير» ممنهجة؛ فالاستبداد ليس مجرد قمع للمعارضة، بل هو نزعٌ للأهلية الإنسانية، يضع الفرد في مقصلةٍ بين ذئاب الخارج وسياط الداخل.
هذا «الارتباك المزمن» هو نتاج تحطيم المرجعيات وتفتيت الهوية الجمعية، مما أدى إلى ضياع «نطق الجياد» واستبدال لغة الفعل الحضاري بصمت الصخر. ولتفكيك بنية هذا القهر، لا بد من استشراف آليات الترميم الحضاري التي تبدأ ببلسمة الجروح وزراعة الإنسان في الأنسان ، أعني المحبة والتسامح.
فلا يمكن الحديث عن ترميم حضاري دون تحديد دور نخب الثقافة، التي وقعت طويلاً في فخ «الرثاء» أو «الانكفاء». إن دور النخبة اليوم هو الانتقال من ثقافة الرماد (التي تقتات على أطلال الماضي) إلى ثقافة الحجر (التي تبني من الألم معرفة صلبة).
على المثقف أن يكون «البوصلة» التي تعيد للمدينة معناها، وعليه تقع مسؤولية كشف التزييف الذي تمارسه القوى الغاشمة، وتحويل «صمت الصخر» من حالة عجز إلى «فلسفة صمود» واعية تسبق العاصفة ولا تنحني لها.
تبدأ عملية «البلسمة» من الاعتراف بأن الجروح العربية وصلت لمرحلة «الجروح البيض» التي لا تندمل بالمسكنات. البلسم الحقيقي هو تحويل الألم إلى معرفة؛ فبدلاً من الهروب من الواقع، يجب مواجهة الحقائق العارية دون تزييف. إن التخلي عن الخطابات الجوفاء هو أولى خطوات الشفاء، واستبدالها برؤى قادرة على الحفاظ على «جمر الروح» متقداً، تمهيداً للحظة الانبعاث.
تكتمل هذه الرؤية النقدية بوضع نخبة المثقفين أمام مرآة مسؤوليتها التاريخية؛ فإذا كان الراهن العربي يعاني «تصحراً» في الهوية واغتراباً في المكان، فإن الدور المنوط بالمثقف يتجاوز التوصيف البارد للأزمات إلى الانخراط في «هندسة الترميم».
إن الحل لا يكمن في استيراد نماذج جاهزة، بل في «زراعة» داخلية تهدف إلى إحياء المشترك الإنساني. زراعة الإنسان في الإنسان تعني: ترميم الجدران المتساقطة بين أبناء الوجع الواحد بعيداً عن تصنيفات «ذئاب السواد».
وأعني إعادة الاعتبار للمكان كفضاء للحرية، وإشاعة «قناديل الرؤى» التي تعصف بروح الغدر. والارتباط بالأرض كفعل وجودي أخلاقي يتطلب العمل «من غير انتظار للحصاد» الفوري؛ أي غرس البذور للأجيال القادمة.
إن الرهان المعاصر لا يقوم على انتظار مطر لا يأتي، بل على استنبات الشجر من قلب الصخرة. إنها دعوة للنخب وللإنسان العربي العام للانبعاث من قلب الحريق، حيث يصحو الفؤاد من عطشه التاريخي ليصيغ «سيرة رفض» جديدة.
ان الارتباط بالأرض ليس كمساحة عقارية، بل كأصل طاهر. هي دعوة للانبعاث من قلب الحريق، حيث يصحو الفؤاد من عطشه التاريخي ليصيغ «سيرة رفض» جديدة، تحول الرمل إلى بنيان، والارتباك إلى يقين، والموت النابح في الدروب إلى حياة تفيض من بين شقوق الحجر. لتضطلع النخبة بدورها في تنوير المسارات، وإلى قوة ترفض المذلة ولا تتماهى مع المواكب الزائفة.