الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ظاهرة تداخل الحواس (السيناستيجيا) بين العالم العربي والجمهورية الفرنسية: مقاربات وجسور محتملة


ظاهرة تداخل الحواس (السيناستيجيا) بين العالم العربي والجمهورية الفرنسيةمقاربات وجسور محتملة

علي العزي

 

شهد عام 2021 ولادة مجتمع متداخلي الحواس الإفريقي، بمباركة المجتمع العالمي المعني بهذه الظاهرة العصبية الفريدة. ومنذ ذلك الحين، لم تُسجَّل ولادة أي منظمة أو رابطة تُعنى بالسيناستيجيا، وهو غياب شكّل موضع تساؤل علمي وثقافي في فرنسا، في حين يُعد غيابها في العالم العربي تحصيل حاصل، نتيجة التهميش المزمن لكل ما هو غير مألوف أو خارج عن السائد.

وعلى الرغم من هذا الغياب المؤسسي، تمكّن كاتب هذه السطور، خلال العقد الماضي، من نيل اعتراف مجتمع متداخلي الحواس الدولي بكونه من الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الظاهرة، كما أسهم في اكتشاف وتوثيق حالتين أخريين، هما: الإعلامية والفنانة السورية إنجي لكود، والطبيب والفنان التشكيلي المصري يحيى أبو الفتوح.

في فرنسا، تم توثيق ثلاث اشخاص بوصفهم من متداخلي الحواس، وهم: عازفة البيانو هيلين غريمو، وعازف البيانو فرانك أفيتابيلي، والصحفية ومخرجة الأفلام الوثائقية أورور دوبونت ساغوران.

 

تتشابه الحالات التي تم الإقرار بها كأصحاب للحس المتزامن في أنماط تداخل الحواس التي يتمتعون بها، باستثناء حالة أورور، التي تنتمي إلى نمط نادر يتمثل في تداخل الحواس – التلامس المرآوي.

 

ويُعرَّف التلامس المرآوي بوصفه أحد أشكال السيناستيجيا، حيث يشعر الشخص بإحساس جسدي حقيقي عندما يرى شخصًا آخر يتعرّض للمس أو للألم، وفي بعض الحالات، قد يتحول هذا الإحساس إلى ألم فعلي عند مشاهدة ألم الآخرين، وهي الحالة التي يُشار إليها أحيانًا بمصطلح Mirror Pain أو “ألم المرآة”.

 

وتُعد هذه الحالة نادرة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن ما بين 1.5% و2% من سكان العالم قد يمتلكون شكلًا من أشكال هذا النمط الإدراكي غير الاعتيادي.

 

إن أوجه التشابه بين واقع ظاهرة الحس المتزامن في العالم العربي ونظيرها في فرنسا — والتي تُوصف بكونها ظاهرة الإبداع الفطري — دفعت كاتب هذه السطور إلى التواصل مع أبرز حالة موثقة كمتداخلة حواس في الجمهورية الفرنسية، ألا وهي أورور ديبونت ساغوران، والشروع في رسم خطوط مستقبلية قد تسهم في ولادة رابطة أو منظمة أو مجتمع عربي يُعنى بالسيناستيجيا، بالتوازي مع الأمل في ولادة رابطة أو منظمة مماثلة في فرنسا، وهو طموح عبّرت عنه الصحفية والمخرجة الشابة مرارًا.

 

وفي هذا السياق، وقع اختيار ديبونت ساغوران على مؤلفات الجرعة الثانية من المشروع الموسيقي لكاتب هذه السطور، والذي طُرح في أول يوم في عام 2026 تحت عنوان «لوحة الموسيقى – جهوري»، ليكون افضل  ترجمة فنية للتعبير موسيقيا عن هذا النوع الفريد من هذه الظاهرة المميزة، لترافق خطابًا بات صوته مسموعًا بوضوح في فرنسا، في مقابل حضوره المحدود — حد التلاشي — في العالم العربي.

إن الحديث عن تداخل الحواس، بوصفه ظاهرة عصبية وإبداعية في آن واحد، لا يمكن فصله عن السياقين الثقافي والاجتماعي اللذين يحتضنانه أو يقصيانَه. وبين واقع عربي لا يزال يتعامل مع هذه الظاهرة بوصفها هامشًا معرفيًا، وواقع فرنسي يشهد وعيًا متناميًا لكنه يفتقر إلى الإطار المؤسسي الجامع، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء جسور معرفية وإنسانية تتجاوز الجغرافيا واللغة. فالسيناستيجيا، في جوهرها، ليست حالة فردية معزولة، بل تجربة إنسانية عميقة تفتح آفاقًا جديدة لفهم الإدراك والإبداع والتعاطف. ومن هنا، فإن أي جهد بحثي أو فني أو توثيقي يُبذل في هذا المسار، يشكّل لبنة أولى في مشروع أوسع، قد يفضي يومًا ما إلى اعتراف أعمق، وتنظيم أوضح، وفضاء أكثر إنصافًا لمتداخلي الحواس، عربًا كانوا أم فرنسيين، في عالم لا يزال يتعلّم كيف يُنصت لاختلاف الإدراك بوصفه قيمة لا عبئًا.


مشاهدات 105
الكاتب علي العزي
أضيف 2026/03/26 - 12:42 AM
آخر تحديث 2026/03/26 - 2:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 21053 الكلي 15213121
الوقت الآن
الخميس 2026/3/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير