فاضل ميراني… هدوء العقل في زمن الضجيج السياسي
عطا شمیراني
أتذكّر جيداً أول مرة عرفت فيها أنّ فاضل ميراني ليس مجرد سياسيّ حزبي، بل كاتب وصاحب رؤية سياسية عميقة. قرأتُ له مقالاً في جريدة «التآخي» سنة 2000، وكنتُ آنذاك شاباً يافعاً أحاول فهم السياسة من خلال الكلمات لا من خلال الشعارات. لم يكن اسمه بالنسبة لي مجرد مسؤول في الحزب الديمقراطي الكردستاني، بل بدا كاتباً يحاول أن يفكك السياسة ويشرحها ويمنحها بعداً فكرياً يتجاوز الخطاب اليومي المعتاد. وربما كانت تلك المرحلة أيضاً من بدايات حضوره المعروف في كتابة المقالات السياسية التي حملت طابعاً مختلفاً عن لغة السياسة التقليدية في العراق وكردستان.
في تلك السنوات، كانت الساحة السياسية العراقية تعيش توترات وتحولات معقدة، وكانت أغلب الخطابات السياسية تميل إلى التعبئة والانفعال والشعارات الحادة. لكن ما شدّني في كتابات فاضل ميراني آنذاك أنه كان يكتب بهدوء مختلف، وكأنّه لا يريد فقط أن يقنع القارئ بموقف سياسي، بل أن يدفعه إلى التفكير أيضاً. كانت لغته تحمل شيئاً من الفلسفة، وشيئاً من التأمل التاريخي، وشيئاً من الواقعية السياسية التي لا تنفصل عن التجربة الكردية والعراقية بكل تعقيداتها.
ومنذ ذلك الوقت، بدا واضحاً بالنسبة لي أنّ فاضل ميراني ينتمي إلى جيلٍ من السياسيين الكرد الذين لم يكتفوا بإدارة السياسة فقط، بل حاولوا أيضاً تفسيرها وكتابتها وتحويلها إلى مادة فكرية قابلة للنقاش والتأمل. وهذه نقطة نادرة في المشهد السياسي العراقي عموماً، لأن كثيراً من السياسيين يتعاملون مع السياسة بوصفها سلطةً أو صراع نفوذ أو معركة انتخابية، بينما كان ميراني أقرب إلى السياسي الذي يرى في السياسة تجربة فكرية وتاريخية أيضاً.
فاضل ميراني لم يكن مجرد “مسؤول مكتب سياسي” يدير شؤون حزب أو يصدر بيانات ومواقف. لقد بدا دائماً أقرب إلى صورة “السياسي المفكر”. ففي أحاديثه ومقالاته تجد ذلك المزج الواضح بين التاريخ والفلسفة والواقعية السياسية. لا يتحدث بطريقة انفعالية أو بلغة تستهدف التصفيق السريع، بل بلغة هادئة تحاول أن تفسر قبل أن تهاجم، وأن تحلل قبل أن تُصدر الأحكام. وربما لهذا السبب بقي حضوره مختلفاً حتى لدى خصومه، لأن الرجل لم يعتمد على الضجيج السياسي بقدر ما اعتمد على بناء صورة السياسي الذي يعرف ماذا يقول، ومتى يقوله، وكيف يقوله.
في العراق، حيث ارتبطت السياسة خلال العقود الأخيرة بالصوت المرتفع والخطاب العدائي، تبدو شخصية مثل فاضل ميراني حالة مختلفة. فهو لا ينتمي إلى مدرسة التشنج السياسي أو الخطابات النارية التي تحول الخلاف إلى معركة وجودية. بل على العكس، ظلّ طوال سنوات يقدّم نموذجاً أكثر هدوءاً واتزاناً في إدارة الخلافات، سواء داخل البيت الكردي نفسه، أو في العلاقة المعقدة بين أربيل وبغداد. وحتى عندما كان ينتقد خصومه، كان يفعل ذلك بلغة تميل إلى الإقناع أكثر من الإهانة، وإلى التحليل أكثر من الشتائم السياسية التي أصبحت للأسف جزءاً مألوفاً من الثقافة السياسية العراقية.
بعد عام 2003، لعب فاضل ميراني دوراً مهماً في صياغة الخطاب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني في مرحلة كانت من أخطر مراحل العراق الحديث. فالدولة العراقية كانت تعيش انهياراً هائلاً بعد سقوط النظام السابق، والصراعات الطائفية والقومية كانت تتصاعد، والبلاد تدخل في دوامة عنف وانقسام غير مسبوقة. وفي وسط هذه الفوضى، احتاجت الأحزاب الكردية إلى خطاب سياسي قادر على الموازنة بين الدفاع عن الحقوق الدستورية لشعب كردستان، وبين الحفاظ على قنوات الحوار مع بغداد والقوى العراقية المختلفة. وهنا ظهر دور ميراني بوصفه واحداً من العقول السياسية التي حاولت أن تمنح الخطاب الكردي بعداً أكثر عقلانية ومرونة.
كان واضحاً أن الرجل يؤمن بالحوار ليس كشعار بروتوكولي يُقال في المؤتمرات، بل كأداة سياسية حقيقية لإدارة الأزمات ومنع الانهيارات. وربما تعكس هذه الفكرة جانباً مهماً من شخصيته السياسية؛ فهو ينتمي إلى جيل عايش الحروب والاقتتال الداخلي والانقسامات الكردية العراقية، ولذلك أدرك مبكراً أن السياسة لا تُدار فقط بالمواقف الحادة أو بالعنتريات الإعلامية، بل أيضاً بالقدرة على إبقاء الجسور مفتوحة حتى في أصعب لحظات الخلاف.
لغة فاضل ميراني السياسية تستحق التوقف عندها أيضاً. فهو يكتب ويتحدث وكأنه يحاول دائماً الربط بين الماضي والحاضر. يستحضر التاريخ لا بوصفه حنيناً رومانسياً فقط، بل باعتباره درساً سياسياً يمكن الاستفادة منه لفهم الحاضر. وفي كثير من نصوصه تشعر أنه يحاول وضع السياسة ضمن سياق فكري أوسع، كأنّه يقول إن الصراع ليس مجرد معركة سلطة، بل هو أيضاً صراع ذاكرة وهوية ورؤية للمستقبل. ولهذا جاءت كتاباته مختلفة عن الخطابات السياسية السطحية التي تستهلك الحدث اليومي دون أن تحاول فهم جذوره العميقة.
قد يختلف كثيرون مع فاضل ميراني سياسياً، وهذا أمر طبيعي في أي تجربة ديمقراطية، لكن من الصعب إنكار أنه يمثل نموذجاً مختلفاً في الحياة السياسية الكردية والعراقية. نموذج السياسي الذي لم يكتفِ بالجلوس في مكاتب السلطة أو إدارة الاجتماعات الحزبية، بل حاول أيضاً أن يكتب، وأن يشرح، وأن يحول التجربة السياسية إلى مادة فكرية تستحق القراءة والتأمل.
في زمنٍ أصبحت فيه السياسة سباقاً نحو الضجيج، يبدو فاضل ميراني أقرب إلى جيلٍ قديم من السياسيين الذين كانوا يؤمنون أنّ الكلمة مسؤولية، وأن الحوار ليس ضعفاً، وأن الدولة لا تُبنى بالصراخ بل بالعقل. وربما لهذا السبب بقي حضوره مختلفاً؛ لأنه لم يحاول يوماً أن يكون الأعلى صوتاً، بل أن يكون الأعمق فهماً.