الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سيادة العراق المستباحة: من انتهاك الأجواء إلى استهداف المسعفين.

بواسطة azzaman

سيادة العراق المستباحة: من انتهاك الأجواء إلى استهداف المسعفين.

حيدر جاسب عريبي البهادلي

 

تشهد الساحة العراقية تصعيداً خطيراً يتمثل في استهداف قطعات من هيئة الحشد الشعبي بضربات جوية نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، في سياق صراع إقليمي متسارع، لم يكتفِ بتجاوز الحدود السياسية، بل امتد ليطال جوهر القواعد الآمرة في القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ سيادة الدول.

إن تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي العراقية، أو استخدام أجوائها لتنفيذ ضربات ضد أهداف في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دون موافقة صريحة من الحكومة العراقية، يمثل انتهاكاً واضحاً لنص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما يشكل ذلك خرقاً مباشراً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو من المبادئ المستقرة في القانون الدولي العرفي.

ولا يمكن تبرير هذه العمليات تحت غطاء “الدفاع الشرعي” المنصوص عليه في المادة (51) من الميثاق، إلا في حال توافر شروط الضرورة والتناسب، ووجود هجوم مسلح فعلي ومباشر، وهو ما يظل موضع جدل قانوني كبير في الحالة العراقية، خاصة في ظل غياب أي تفويض من مجلس الأمن الدولي.

وبالرجوع إلى تعريف العدوان الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3314 لسنة 1974)، فإن قصف أراضي دولة ذات سيادة أو استخدام القوة المسلحة ضدها، دون مبرر قانوني، يُعد فعلاً من أفعال العدوان. وعليه، فإن الضربات الجوية التي استهدفت مواقع داخل العراق يمكن أن تندرج ضمن هذا التوصيف، خصوصاً إذا ثبتت صفتها المتكررة والمنهجية.

غير أن الأخطر في هذه الأحداث لا يقتصر على انتهاك السيادة، بل يمتد إلى احتمال وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، لاسيما ما يتعلق باستهداف سيارات الإسعاف والطواقم الطبية أثناء قيامها بواجبها الإنساني. فالقانون الدولي الإنساني، وبموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949، يوفر حماية خاصة للجرحى والمصابين، ويحظر بشكل قاطع استهداف الوحدات الطبية ووسائل النقل الطبي.

إن استهداف المسعفين أو سيارات الإسعاف، في حال ثبوته، يشكل انتهاكاً للمادة (3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف، وكذلك للمادة (21) من الاتفاقية الأولى، ويرتقي إلى مستوى “الانتهاكات الجسيمة” التي تُصنف كجرائم حرب بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تجرّم تعمد توجيه الهجمات ضد الأفراد أو المنشآت الطبية.

 

وتترتب على هذه الأفعال مسؤولية دولية واضحة، وفقاً لقواعد المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة، والتي تلزم الدولة المخالفة بوقف الفعل، وعدم تكراره، وجبر الضرر الناتج عنه. كما ينهض المجتمع الدولي، وبالأخص مجلس الأمن، بمسؤولية قانونية وأخلاقية في إدانة هذه الانتهاكات واتخاذ ما يلزم للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

 

إن ما يجري اليوم يكشف عن إشكالية عميقة في موقع العراق ضمن التوازنات الدولية، حيث يتحول، في ظل ضعف الردع الدولي، إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية، على حساب سيادته واستقراره الداخلي.

 

وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري أن يتحرك العراق على مسارات متعددة، تشمل التوثيق القانوني للانتهاكات، وتفعيل القنوات الدبلوماسية، والسعي نحو مساءلة دولية حقيقية، سواء عبر الأمم المتحدة أو من خلال الآليات القضائية الدولية المختصة.

 

إن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة لا يهدد العراق وحده، بل يقوض النظام القانوني الدولي برمته، ويعيد تكريس منطق القوة بديلاً عن قوة القانون، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية المبادئ التي قام عليها.


مشاهدات 90
الكاتب حيدر جاسب عريبي البهادلي
أضيف 2026/03/24 - 1:01 AM
آخر تحديث 2026/03/24 - 2:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 19264 الكلي 15211332
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير