الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق أمام اختبار السيادة ووحدة القرار في بيئة إقليمية مضطربة

بواسطة azzaman

العراق أمام اختبار السيادة ووحدة القرار في بيئة إقليمية مضطربة

محمد علي الحيدري

 

كشفت الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، عن مستوى متقدم من الهشاشة الأمنية في الإقليم، هشاشة لم تعد محصورة بخطوط الاشتباك التقليدية، بل امتدت إلى الفضاءات الخلفية للدول المجاورة، وفي مقدمتها العراق. ومع اتساع رقعة الاشتباك وتبدل إيقاعه في الأسابيع الأخيرة، باتت هذه الهشاشة أكثر وضوحا، ليس فقط في ساحات المواجهة المباشرة، بل في البيئات التي يفترض أنها بعيدة عن خطوط النار.

هذا الواقع أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية تتعلق بمدى علم الدولة العراقية بتفصيلات ما يجري على أراضيها ومحيطها، وحدود قدرتها على الإمساك بالقرار الأمني في لحظة إقليمية تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، وتتراجع فيها المسافات بين الفعل المحلي والتأثير الخارجي.

تتجلى هذه الإشكالية في أكثر من مسار. فمن جهة، أعادت تطورات الحرب تسليط الضوء على وجود جماعات معارضة كردية إيرانية، ليس فقط من حيث حضورها الجغرافي، بل من حيث أدوارها المحتملة وكفاءتها التسليحية ضمن معادلة صراع باتت أكثر انفتاحا على الاحتمالات. ومن جهة أخرى، برزت قواعد ومراكز رصد أميركية بوصفها أهدافا مباشرة أو غير مباشرة في سياق التصعيد المتبادل، ما كشف عن تداخل عميق بين مسارات العمل العسكري والاستخباري على الأرض العراقية، وتعدد مراكز الفعل بعيدا عن القرار الرسمي المعلن في بغداد.

وفي هذا السياق، يبرز إقليم كردستان بوصفه أحد المفاصل الحساسة في هذه المعادلة، حيث تبدو حكومة الإقليم أمام تحديات بنيوية في فرض الضبط الكامل على نشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود، أو في تحجيم حضور قواعد أجنبية ومراكز رصد تعمل ضمن بيئة أمنية معقدة ومتغيرة. ومن دون الدخول في سجال سياسي، فإن هذا الواقع يعكس فجوة قائمة بين الإطار الدستوري الناظم للعلاقة بين المركز والإقليم، وبين القدرة العملية على التحكم بمسارات الفعل الأمني ضمن جغرافيا شديدة الحساسية في توقيت إقليمي بالغ الدقة.

وفي مقابل ذلك، تتصرف جماعات مسلحة داخل العراق بما يعزز الانطباع بأن الدولة لا تزال تواجه صعوبة في توحيد الإيقاع الأمني، أو في ضبط سلوك هذه الجماعات تحت سقف القائد العام للقوات المسلحة. فالتصريحات المتباينة، وتفاوت توقيتات الفعل والتهدئة، يوحيان أحيانا بأن القرار الأمني يتحرك على أكثر من مسار، الأمر الذي يضع العراق في موقع المتلقي لتداعيات خيارات لم تُصغ حصرا داخل أطره الدستورية.

إن استمرار هذا النمط، في ظل تصعيد إقليمي متدرج وتطورات ميدانية متلاحقة، يدفع العراق إلى مهب مخاطر مركبة، عسكرية وأمنية وسياسية، قد تتقاطع في لحظة واحدة لتنتج أزمات متزامنة. فكل احتكاك إقليمي، مهما بدا محدودا، يحمل معه احتمالات الانزلاق غير المحسوب، ويضاعف من كلفة غياب وحدة القرار، لا سيما في بيئة مشبعة بالاستقطاب وسوء التقدير.

استراتيجيا، يواجه العراق معادلة دقيقة. فهو بحاجة إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى والإقليمية لضمان استقراره وأمنه الاقتصادي، لكنه في الوقت ذاته مدعو إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة تعريفا عمليا، يربط بين وحدة القرار واحتكار استخدام القوة، وينهي حالة الالتباس بين الدولة والفاعلين غير الرسميين. إن غياب هذا التعريف الواضح يفتح الباب أمام تقديرات خاطئة من جميع الأطراف، حيث يعتقد كل طرف أن هامش المناورة أوسع مما هو عليه فعليا.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بتوصيف الخطر، بل بكيفية إدارته في لحظة إقليمية شديدة السيولة. هل تمتلك القوى السياسية العراقية القدرة على إجراء جرد واقعي لتداعيات هذا المشهد المتحرك، والانتقال من سياسة احتواء الأزمات إلى سياسة منعها؟ وهل هناك استعداد فعلي لإعادة الاعتبار لوحدة القرار الأمني بوصفها شرطا مسبقا لحماية السيادة، لا نتيجة مؤجلة لها؟

إن مقاربة هذا التحدي تتطلب لغة هادئة غير مستفزة، لكنها دقيقة في تشخيص الخلل. فالتغاضي عن مواطن الضعف لا يلغيها، وتأجيل المعالجة لا يخفض كلفتها. وحده الاعتراف الموضوعي بحجم الاختبار، مقرونا بإرادة سياسية جامعة، يمكن أن ينقل العراق من موقع الساحة المفتوحة لتقاطعات الصراع، إلى موقع الدولة القادرة على تحصين قرارها وحماية مصالحها في إقليم لا يزال يعيش على إيقاع التصعيد وعدم اليقين.


مشاهدات 95
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/03/24 - 12:55 AM
آخر تحديث 2026/03/24 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 19264 الكلي 15211332
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير