الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
للعيد هلال.. بين أراجيح الزمان ورحيق المكان

بواسطة azzaman

للعيد هلال.. بين أراجيح الزمان ورحيق المكان

موسى عبد شوجة

 

فوق   شرفات المنازل  المتداخله. .. .و على ارجوحة  الزمن يتبختر هلالُنا  الموعود ...

اذ تلّوحُ ..له أجنحةُ افئدتنا الحرّى ... بشغفِ المسافاتِ   التي طالما ترسب بها الوجلُ المكتظ بزفير الشوقِ والوجد اللاهب....

ثمة .. بطاقاتٍ لذكرى رؤوم.. وحنين كهل  ارتشف كل منهما من عبق ماضٍ  مزهرٍ بحكايانا وقهقهات  صبانا....

نعم تطوف بشرفاتٍ للسنين  المالحة..

أرجوحةٌ على متنها هلال عيدنا..بكل ماضيه وحاضره … وما تؤول رحلاته وزياراته المتواتره .لنرى أمتدادنا  امام  واقعيةٍ لمكانِ لم يفقدْ رحيقَ الأمس وأريجه مهما يلوك ايامنا دهر وخيم ...

بل  يحمل هذا  المكان الكهل  بأكفِّ رماله  .. (قهقهاتنا ..اناشيدنا الشجية ..وزغاريد الطفولة و الصبا…وطراوة الاماني المخبئه في حقائبنا…ورنين عيدياتنا المعدنيه ورائحة كليجة امهاتنا الزاكيات... وبواكير  طلعة والدنا البهية)

بل ... كذلك تحمل ذرات رمال ذلك المكان بكل ابعادها واشكالها المتراكمه اريج ارتساماتٍ ياقوتية بأنوار درّية لحبيبةٍ  لنا كانت..ومازالت ديباجة عُمرناوكينونته ...وزلفى سنينه الثكلى...

 نعم..قبل اربع وعشرين سنه.. ..

عندما كان ذاك الفؤاد المضرم  بكل نبضاته  يرسلُ  موجاتٍ من صهيل الفاقة والرجاء ....علّهُ( تؤكسج ابهره )نسمةُ وصالٍ لمسرى شريانه الذي اكسده عطشٌ سرمدي....

نعم  ...كان الهلال شاهد اثبات على آخر عيد لاًملٍ يحتضر  ذُبِحَ على مقصلةِ الاقدار....

و يا ...كل بثي ..وحزني وآسفي..

قد شهدت احداق  هلالنا المطّل على ولوج الأماني بمعراج الرحيل  لفضاءات  الخسارة والضياع اللا متناهي........

لعمّري… كُنا نجوبُ... ونطوفُ كالأهله حول   افلاك  ومدارات  ذاكرتنا بغربتها...ووجلها الناعق...

كانت احلامنا الشفافه..الملونه والتي قد شغفتها تضاريس المكان  بمحطات لزمنٍ مزدحمه بتداخلاتها.. وتعرجاتها... ومضامين جغرافية ولوجها.. بين امنياتٍ  .. تهاوت وتلاشت على   بوابات  اسوارها الزجاجية بجلمود  القدر المريب....وعواصف الضياع ألهائجه  العتيه....

ربما .. مايزال امل التلاقي والوصال يسري بنخاع خلايا هذا الجسد المتكلس  بشهيق وريدٍ لأخر …نفس مُرجى.....وارجوحة زمن آتي  قريب ….نامي...ينتظر تباشير مواسمه... التي تتنفس..لرحيقٍ  لم تأفل شذرات إزهاره  بعد.....

نعم  ... فلا ينسى   المكان   ترسبات رحيق وعطر  مَنْ مروا به ...  ومَنْ  مضوا.....

اذ ما تزال  خطاهم  توقظ ليلاً لزجاً ملتهباً  بسعير شوقنا الجامح و نبضات خرّس لفؤاد شفه الوجل…. والذي بات  مثقل بأسئلةٍ الحيارى التي  لاجواب لها.....

اراجيحٌ ... تعرجُ وتنزلُ  مابين روابي الروح وافاق البعد والهجر..والرحيل ، تتطلع لجرعةِ عطرٍ  لنفحات قبسٍ …. قد تتلاشى او تخّفت اوتتلّبد  بسكون قلق… وشروع انتظارعقيم...

اذ تتدحرج الذكريات  والحكايا …..على  موائد شغاف افئدة حرّى يعللّها  اريج مزمن  لمدائننا الغافية المكتظه بأمنياتٍ واحلامٍ سنين عجاف  شفّها الهجر والحنين والتيهةوالاغتراب

وطرقات لم تزلْ  تشدو ترنيمةً  لمَنْ مرّوا على جفن الامس وغابوا…. نعم..غابوا..

وتجذرت ابتسامتهم واهازيجهم و (عيدياتهم) على اديم حدقاتنا المسّهده .  لتصافحنا رسومهم واشاراتهم  بمدار أفقٍ يغازل……..فجر اول عيد  ...

لعمرّي .. ان الأيام السالفه وما حملته الذاكره.. شُبِهت لي  سفينة  تبحرُ بين جزر ومدّ  لبحرٍ  شوقٍ هائج بأعاصيره ..وامواجه العتيّه بزبد خواطرنا الزجاجيه.....

نعم  عندما نقف على  ربوة  ايامهم وصباحاتهم الطرية المشرقه بوهج جبينهم الزاكي ،  تتقمص لنا عيونهم التي تكحلت ببريق الوفاء والنقاوه والبراءه  .. كبوصلة تؤشر لاتجاهات متعامده  نحو ضفاف هلال عيد  مرتقب متخم بالبهجة والغبطة والسرور...

وهو يرتل نوره الدرّي  في معراج  باكورة اطلالتة لينثر على قمم المنازل وشرفاتها وزواياها عطر شمائلهم وحكاياهم  وحناء أكفَّهم النزيهة الطاهره ..ويجتاز  بنا  الى محطات الماضي   وساعاتها الحبلى بموائد بساتين غراسهم ،  وما حملت  من ثمرات… واحاتهم  النضرّه  المزادنة بألق الامس الذي جرى في اوردتنا   فيضاً من المسك   …. والعنبر لشتلات بصماتهم  المجسّمه بمشكاة حضورهم الجلّي البّهي الطلعة والحضور....

نعم... نحدق  بضيعةٍ خضراء غادرها زرّاعُها ومبدعيها … نحو غياهب  جب  الرحيل ...

و يا  أسفي.. قد ادمنت جذورها فصل جفاف طويل.. هو الرقاد الكامن . …بين ذراعي أمنية مضطربه قلقه لعيد رؤوم منتظر..

وها هي مفرداتنا تستسيغ غيث ضحكةٍ أمسٍ لزغرودة ِِ أول رؤيا لمخاض هلال مزركش بياقوت البراءة  والايثار .. يسري بشريان شعاعه الوهاج ..فيضُ غدير لأمنية نجم بكِر…. وتراويح  لفجرٍ مغيّب..

نعم ..تأخذنا خطى الأمس الى اراجيح العيد وعرّباته الملّوحه بمناديل طفولتنا  البيض المعطرّه بعبق نسيم  عيدٍ في تبختر  طلوعه.

ولطالما حدّقنا بملامح وقسّمات وجه هلاله المطّل  وهو يترجل بين بيوتات الطين وضفاف مدن النهرين ليفرش  جناحيه وجدائله بدفء وحنان  بما يحمل من سنا ونور وسرور  لمدائننا الناعسة البائسة...

لعمّري... ان ما يبث في كينونتنا لانتظار هلالاً بأرجوحة الزمان ..ذلك الأمل النافذ . ... من شرفات منازل المكان ذا العبير المنبلج  بطعم ازهاره الغضة وتلك ألاكفّ والانامل التي  تلّوح لهلالٍ  يعترش فضاءات ناعسه بسكرة حلم ثمل بين  شعور  الماضي ورونقه ….وشبح مهّول لمستقبل منحدر بتعرجات مريبة .. وخطر محدق. شاخص...

اراجيحٌ الهلالِ  شهقتْ وكبرّت لها الروح العطشى ..بدمعة…مسافرة ذرفتها تلك العيون الجميله الناعسه لأحبةٍ لنا  رحلوا..بعجاله....

وتركوا حقائباً لأمنياتهم و(عيدياتهم) وحناء أكفَّهم…نعم هُنا وهناك خصلات  مبعثرة لضفائر دجله ونسيج طرّي لرئة فرات ذُبحِت بضفافه نوارساً وزنابق... وقد نلمح هناك نجمة فجر لحظة وداع بريقها… لهلال يتبختر على شرفات  منازلنا الساهره لأراجيح زمن موعود مؤمل...

ولرحبق مكانٍ لا يزول او يضمحل بثه الدافق مهما غزته وأفترسته اضراس دهر.ٍ

شقي..ومنون جائر...

الآن ...ربما تشدو كل الشرفات لمنازلنا العتيقه ودرابين ازقتنا الصبيه  ترنيمة العيد الشجبه.....

نعم  ها نحن الآن  نرتشف من غنج   رحيق المكان...نكهة خبزٍ فراتي ندي .. كندواة مشاعرنا الزاهره . ورقتها….وبريق ايثارها والتي لا يتغير  لون شذراتها   مع تناوب الاعياد وفصول العمر…. ولا تبلى  ولا تفنى اشراقتها ....

مهما  تأرجح  الزمان بدائرة المكان ...

فكلُّ  عتبات الذاكرة  وبواباتها لاتفنيها  عواصف الجهات القلقه الوقيذه....

وها.. نحن الآن  نجتر نسغ ذكرياتنا لنقول الساعة ..الساعة  يحدو بنا خوف وحذر حرج لما يحمله  معين الزمن الآتي من غسقٍ  و وداع مرتقب  لخضار المواسم وينابيع الربيع.وحذاري  ..حذاري  ان تصعق روحنا الغافيه ما بين سكرات الضمور والتلاشي بموجات ألم  مزمن وانين مترسب على وديان وبقاع احلامنا الشاخصه....

فقد حان الولوج بان نمزج شهقة دمعة…مسافره بمسحوق  اديم ذكرياتنا…لنصنعُ منهما حناء لعيدٍ  يمرّ اليوم غريباً على حيّنا. ولنخّضب باطن أكفَّنا..ونعفّر ضفائر هلالنا لحظة ترنّح بريقه المولع.بأهازيج صباحات صبانا وبراءة حكايانا.  . التي سافرت مع مَنْ غابوا... من ديارنا.....

..و يا أسفي لو  اخضرت  واينعت أغصان طيفهم  الموعود في مواسم  خضار ربيعهم الافل…. لشّدونا لحّن حنينهم بترنيمة نقضم بها  ونزيل مسافاتٍ ومساحاتٍ لاوجاعنا ونداوي جرحنا  المزمن النخرّ من خبث ديدان عث الرحيل والغياب....

لماذا اذن ..يا ترى نوقظ اعين مَن ْغابوا بعد أن تركوا لنا أرثاً  من وجعٍ وضجيجٍ لداءٍ عقور.

وماذا بعد هذه الغربة  الصاخبه في أتون الرحيل … فهل  نقف ونترقب  هلالاً مؤرقاً…. قد يعفّره غبارُ أنينٍ مزمن..وسنين لأوجاعٍ.. تتوحم ؟؟  .

فيا  ليت  الذاكره  تغتسل من أدران ترسبات مرارة وحموضة الغياب …….

ويا ..ليت عقاقير الدنيا تضمد جراح روحنا المحتضره وهي ترمقُ هلالا لعيدٍ يمر فوق  شرفات  الأمس واليوم...  سيما ونحن نتنفس زفيراً لفراقٍ غرس مخالبه الليئمه في احداقنا ...

نعم فراق ملتهب باواره.. لأحبتنا الذين ليسوا معنا  الآن..وكُنا.. لا نرى العيد إلا بهم  وبحضورهم.....

هذه النظرة أوضحها المتنبي في قوله: “يُضاحِكُ في ذا العيدِ كُلٌّ حَبيبَهُ *** حِذائي وَأَبكي مَن أُحِبُّ وَأَندُبُ.. أَحِنُّ إِلى أَهلي وَأَهوى لِقاءَهُم *** وَأَينَ مِنَ المُشتاقِ عَنقاءُ مُغرِبُ”.

وكذلك قوله : عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ *** بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ؟،

او كما يقول الشاعر الصوفي أبوبكر الشبلي: أصبحتُ في ترحٍ والناسُ في فرحٍ *** شتّان بيني وبين الناس في  العيدِ

اما ..انا هذا الشاعر المتواضع  الذي سقط على متن التاريخ البشري في الحمزة الشرقي  سنة ١٩٦٦ اقول:-

يا شهقة   العيد  التي   غنت  ولاحت

في   سنين   العمر   ازهاراً       تفوح

أنا ها هنا  ، كسفينة ..تبكي على  ربانِّها

وشراعها      بين  العواصف    إذ يبوح

الآن.. ها نحن نستقبل هلال عيدنا  وهو يتدرج بمنازله بأنشودة

لحنجرةٍ….مدوّيه..لتطفو على زبد موج اوتارها سفن  للسرور والغبطه   .والبهجة الندية الخضراء… التي تتغنج على موانىء ومحطات صباحاتنا بين ستائر شفق مسدّله ..لتصافح…هلال عيدٍ  بجلباب بخيوط حرير السعادة والرخاء والامل المنشود...

نعم...  يأخذنا  طيف  الأمس الى اراجيح العيد وعرّباته الملّوحه بمناديل طفولتنا  البيض المعطرّه بعبق نسيم  عيد في تباشير  طلوعه....

وهاهي ...فصول عمر المواسم يتجدد نسغها المترامي بطلعها الابيض  وبغراسٍ خضر   وفسائل حبٍّ لنشتلُ ….ما بين مروز واحة جيلنا الواعد زهرةً .بأرجوان الاماني ….وبسلسبيل ينابيع الأمل الموعود...

 

 

 


مشاهدات 64
الكاتب موسى عبد شوجة
أضيف 2026/03/23 - 11:34 PM
آخر تحديث 2026/03/24 - 12:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 41 الشهر 19177 الكلي 15211245
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير