الداروينية الجيوسياسية وإنقراض الكيانات الرخوة
من وهم السيادة المستعارة إلى عقيدة دولة القلعة
كاظم نزار الركابي
الحرب المشتعلة اليوم في الشرق الأوسط، يسمح لنا اوارها الملتهب، ان نعرف النظام العالمي، بأنه نظام البارود والأسمنت والحديد والصدأ، سيما وانها الغت الخارطة الدولية التي رسمت بحبر المعاهدات الدبلوماسية، وافرغت مجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة من المحتويين الذي تأسس ذاك المجلس وهذه المنظمة من اجلهما، والمتمثلين بالحفاظ الأمن والسلم الدوليين، واحترام سيادة وجغرافية كل دولة.
هذه الحرب، كشفت ان البارود والحديد يؤمنان منعة القوة الغاشمة وهشاشة الدول التي صدئت بعد ان فقد اسمنتها الذي بنت منه اركانها، مناعته.
التحولات الزلزالية التي تضرب منطقة الشرق الأوسط اليوم، تجاوزت مبدأ احترام الحدود السيادية المرسومة في الخريطة الدولية السياسية، وراحت تؤسس لمرحلة مرعبة يسودها مبدأ “الداروينية الجيوسياسية”، في عالم جديد متوحش، البقاء محصور فيه بالأقوى، والأكثر تماسكاً، والأقدر على التكيف النيراني والاقتصادي، مسقطاً من حساباته كل الكيانات التي صدئت والدول المصابة بهشاشة السيادة والكينونة والقرار.
هذه المرحلة القاسية تفرض علينا قراءة المشهد بعقول مجردة تماماً من شعارات الاستهلاك المحلي الخادعة. وتقسرنا على الوقوف امام مشهد تراجيدي تتهاوى فيه أعمدة النظام المؤسسي الدولي المتوارث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المنظمة الدولية للأمم المتحدة التي انبثقت منها منظمات اممية اصغر ومجلس الأمن تحولت إلى أقبية لأرشفة بيانات الشجب والتنديد العاجزة التي تصدر منها، فالقوة الخشنة، والردع المباشر، وامتلاك مفاتيح التوريد الاقتصادي، صارت العملة الوحيدة المعترف بها للتداول في بورصة السيادة العالمية.
مقبرة القانون الدولي
العقيدة الستراتيجية الجديدة لأصحاب القوة اليوم، تبيح استغلال رخاوة الأرض داخل الحدود السياسية المعلومة للدول والأقاليم وبما جعل تفقد قداستها الموروثة من اتفاقيات القرن العشرين، وبهذا تلاشت مفاهيم الاحترام المتبادل لسيادة الدول الضعيفة.
الدولة التي تعجز عن حماية فضائها الجوي بقوة الردع الذاتي، وتفشل في الحفاظ على قرارها الأمني والسيادي، تجد حدودها مستباحة بالكامل، وتتحول أراضيها فوراً إلى ساحات رماية مفتوحة لاختبار أسلحة الخصوم وتصفية حساباتهم المعقدة والمؤجلة.
رخاوة الأرض هذه، اسقطت ورقة التوت نهائياً عن مفهوم “السيادة المستعارة” الذي تعيش في ظله العديد من دول المنطقة. الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية، أو الاحتماء بالاتفاقيات الدولية الثنائية، أثبتا فشلهما الذريع والمأساوي في لحظات الحسم الستراتيجي عند مواجهة العواصم الكبرى التي تحمي مصالحها القومية الحيوية، في التخلي ببرود تام عن حلفائها الهامشيين وأدواتها الإقليمية عند أول منعطف حرج يهدد أمنها الداخلي أو يمس عصب اقتصادها المباشر.
انقراض “الكيانات الرخوة”
في ظل هذه الداروينية المتوحشة، بات العراق يشكل انموذجا صارخا لما نطلق عليه تسمية “الكيانات الرخوة”. النظام السياسي العراقي، المصاب بـ “الانسداد السريري” والمثقل بإرث المحاصصة والولاءات المتقاطعة، يمثل اليوم وجبة سهلة الابتلاع في مسلخ الأمم الجديد. هشاشة الجبهة الداخلية، وغياب الرؤية الستراتيجية الموحدة لدوائر صنع القرار، تجعل من البلاد كياناً فاقداً للمناعة الذاتية، ومفتوحاً على كل الاحتمالات التدميرية وحملات التجريف الديموغرافي والسياسي.
الكيانات الرخوة في التأريخ الجيوسياسي تواجه مصيراً حتمياً يتمثل في واحد من امرين، الانهيار التدريجي أو التفكك الإجباري بقوة التدخل الخارجي. العجز عن اتخاذ قرارات سيادية حاسمة، واستمرار متلازمة ترحيل الأزمات وشراء الوقت، يحولان الدولة من فاعل إقليمي مؤثر إلى “مادة خام” تُستخدم في صناعة تسويات الآخرين وتأمين حدودهم. تغييب الإرادة الوطنية الجامعة لصالح إرادات فرعية ضيقة، يُفقد العراق هيبته التأريخية، ويجرده من جميع أوراق الضغط الحقيقية في مفاوضات رسم الخرائط القادمة التي ستوزع النفوذ والموارد على حساب الدول الفاشلة.
اقتصاديات الجذور.. العصب الخفي لمعادلة الردع
التشريح الدقيق للصراعات الكونية الحديثة يكشف حقيقة جوهرية قاطعة: الجيوش الجرارة والترسانات العسكرية تنهار سريعاً وتتبخر قوتها إذا كانت تستند إلى اقتصادات مكشوفة تفتقر الى الأمن الغذائي والصناعة الوطنية.
“اقتصاديات الجذور” أو اقتصاديات البقاء، تمثل اليوم خط الدفاع الأول والأساس لأية دولة تبحث عن موطئ قدم آمن في النظام العالمي الحالي. امتلاك الصواريخ والطائرات يفقد قيمته الستراتيجية تماماً أمام شلل سلاسل التوريد وعجز الدولة عن تأمين رغيف الخبز وحبة الدواء لمواطنيها المحاصرين.العراق، باقتصاده الريعي الأحادي الاستهلاكي واعتماده شبه المطلق على استيراد أبسط مقومات الحياة عبر ممرات مائية مهددة بالاشتعال في أية لحظة، يعيش حالة من الانكشاف الستراتيجي المرعب القابل للانهيار السريع. الأمن القومي الحديث يُقاس طردياً بعدد صوامع القمح الممتلئة، وبقدرة الشبكات الكهربائية الوطنية على الصمود، وبمرونة النظام المصرفي في مواجهة العزلة المالية، وبامتلاك بدائل محلية صلبة لتعويض انقطاع سلاسل الإمداد العالمية. الاستمرار في استنزاف الموازنات الاتحادية الانفجارية لشراء السلم الاجتماعي المؤقت عبر تضخيم الهياكل الوظيفية الرثة، يمثل انتحاراً اقتصادياً مع سبق الإصرار، يمهد الطريق لانهيار شامل ومجاعة محققة عند أول هزة عنيفة تضرب أسواق الطاقة أو تعرقل حركة الملاحة الدولية.
دولة القلعة.. طريق الخلاص
التأريخ البشري لا يرحم الضعفاء، والجغرافيا السياسية لا تحمي المغفلين والمترددين. مواجهة هذه العاصفة الدولية العاتية تتطلب انقلاباً جذرياً وشاملاً في بنية التفكير السياسي العراقي، ومغادرة فورية لغرف الإنعاش والانتظار السلبي، والحل الأوحد والأخير يكمن في التبني الفوري والصارم لما يمكن تسميته بعقيدة “دولة القلعة”، فالدولة التي تحصن جبهتها الداخلية بأسوار العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتمتلك أدوات القوة العسكرية بصرامة لا تقبل المساومة أو الشراكة، عند انشائها اقتصاداً منتجاً بامكانه مواجهة الصدمات الخارجية.
ويحمي أمن المواطن من ابتزاز الأسواق العالمية المسلحة.
بناء دولة القلعة يستوجب تشكيل حكومة طوارئ وطنية مصغرة تمتلك صلاحيات استثنائية كاملة، وهو استحقاق وجودي لا يقبل التأجيل أو التخفيض في أسواق المحاصصة المريضة. ومن هنا فان الحكومة مطالبة بتنفيذ جراحة قاسية تعيد هيكلة الاقتصاد من جذوره، وتغلق منافذ الهدر والفساد المشرعة، وتوحد بوصلة القرار السيادي صوب مصلحة العراق العليا والوحيدة بمعزل عن محاور الصراع الإقليمية، وينبغي ان يتزامن هذا مع إطلاق ثورة زراعية وصناعية بعد اعلان النفير العام لتحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الستراتيجية، وتحويل المجتمع العراقي من كتلة استهلاكية خاملة إلى خلية إنتاجية تدافع عن وجودها بالعمل والابتكار.
“الجينوم السيادي”ونداء التأسيس الثاني
على الرغم من قتامة المشهد الإقليمي وتكالب الأزمات الوجودية على بنية الدولة، ترفض الذاكرة التأريخية.
للعراق القبول بحتمية الانقراض أو الزوال. هذه الأرض التي ابتكرت الحرف الأول وسنت القوانين الأولى، تمتلك خزيناً هائلاً من “الجينوم السيادي المقاوم للانقراض”، القادر على قهر أعتى الإمبراطوريات والنهوض بقوة من تحت ركام الحروب والمحن. العراقيون خبروا طعم الرماد مراراً، وتمرسوا على إعادة بناء مدنهم وأرواحهم بعد كل عاصفة همجية حاولت محو أثرهم من سجلات التأريخ.
الأزمة الخانقة التي تعتصرنا اليوم تمثل فرصة تأريخية نادرة ومخاضاً طبيعياً لولادة أمة متماسكة. الألم العميق والشعور الجمعي بالخطر الداهم، باتا ينصهران في بوتقة ستذيب كل الفوارق الطائفية والقومية والمناطقية المصطنعة، سيما بعد ان وجد المواطن انه على أعتاب اللحظة التأريخية التي تستدعي تفعيل هذا الجينوم السيادي العراقي، وانبثاق جيل جديد من النخب الوطنية المخلصة، جيل يتجاوز عقد الماضي، ويكسر أصنام التبعية، ويحمل على عاتقه مشروع التأسيس الثاني” للدولة العراقية الحديثة.
الزمن يلتهم الفرص المتبقية بشراهة، ونافذة النجاة تضيق يوماً بعد آخر. الخيار مطروح بوضوح صارخ أمام الجميع: إما أن ننتفض بوعي كامل من تحت ركام هذا الانسداد السريري ونبني قلعتنا الوطنية بالإسمنت المقاوم، فنفرض احترامنا وقرارنا على العالم كدولة مهيبة الجانب تمتلك قرارها السيادي، أو نستسلم ببلادة وانكسار لقوانين الداروينية الجيوسياسية، لنغدو ذكرى عابرة في أرشيف الشرق الأوسط القديم، وندفع ثمن تفريطنا تشرداً وضياعاً في خرائط تُكتب الآن بالدم والنار. قرار البقاء وصناعة المجد معقود بنواصي العراقيين وحدهم، وإرادة الحياة تنتصر دائماً متى ما تخلصت من قيود الوهم واستدعت روح التأريخ الأصيلة.