الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التصعيد في الخليج: بين الحسم السريع ومواجهة حرب الاستنزاف

بواسطة azzaman

التصعيد في الخليج: بين الحسم السريع ومواجهة حرب الاستنزاف

ادهم ابراهيم 

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق، في ظل المواجهة المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية وتزايد تداعياتها الإقليمية والدولية، يبرز سؤال جوهري: هل تتجه هذه الحرب نحو نهاية سريعة كما تتوقع واشنطن، أم أنها قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة كما تراهن طهران؟

في بداية العمليات العسكرية، توقع الرئيس الأمريكي أن تستمر الحرب ما بين أربعة وستة أسابيع فقط. غير أن القيادة الإيرانية أعلنت منذ الأيام الأولى استعدادها للصمود لفترة أطول بكثير، معتبرة أن سقف المطالب الأمريكية مرتفع للغاية. فواشنطن لا تطالب فقط بخفض مستوى تخصيب اليورانيوم، بل تسعى أيضاً إلى تقليص مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية ووقف دعم طهران لحلفائها الإقليميين المتهمين بتهديد أمن المنطقة وحرية الملاحة فيها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعلن ترامب لاحقاً رغبته في تغيير النظام السياسي في إيران، وهو ما زاد من تعقيد الصراع وعمّق فجوة الخلاف بين الطرفين.

وترى طهران أن هذه الأهداف غير مقبولة، الأمر الذي أدى إلى انحراف مسار الحرب عن السيناريو الذي كانت واشنطن تتوقعه. فالنظام الإيراني، رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة، يعوّل على استراتيجية تقوم على استنزاف خصومه وإطالة أمد الصراع. ولا يسعى الحرس الثوري إلى هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل في حرب تقليدية مباشرة، بل يركز على جعل الحرب طويلة ومكلفة ومنتشرة إقليمياً، بحيث تتحول إلى حرب استنزاف تضغط سياسياً واقتصادياً على خصومه، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تحقيق أهدافها خلال فترة زمنية قصيرة.

وتعتمد إيران في هذه الاستراتيجية على مجموعة من الوسائل العسكرية، أبرزها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وعدد من الجماعات المسلحة في العراق. غير أن هذه الأذرع الإقليمية تكبدت خسائر كبيرة خلال موجة الصراعات التي اجتاحت المنطقة منذ اندلاع حرب غزة 2023 ، ما يحدّ من قدرتها على دعم الاستراتيجية الإيرانية الحالية.

وعلى الصعيد الدولي، تبدو روسيا من بين المستفيدين غير المباشرين من هذه الحرب، خاصة بعد إعلان ترامب تخفيف بعض العقوبات المفروضة عليها .

 أما الصين، ورغم تأثرها باضطراب إمدادات النفط القادمة من الخليج، فمن غير المتوقع أن تتدخل عسكرياً في هذا الصراع، وإن كان بعض المحللين يتحدثون عن تفاهمات غير معلنة بينها وبين الولايات المتحدة تقوم على تبادل المصالح وتجنب التصعيد المباشر.

وفي حين تتوعد إيران بحرب استنزاف طويلة، ترى الولايات المتحدة أن الحرب ستنتهي سريعاً. فقد صرّح ترامب في مقابلة مع شبكة CBS بأن إيران لم يعد لديها أسطول بحري فعال أو بنية تحتية متماسكة للاتصالات أو قوة جوية مؤثرة، مؤكداً أن جزءاً كبيراً من صواريخها وطائراتها المسيّرة قد تعرض للتدمير.

مع ذلك، فإن أحد أهم عناصر الاستراتيجية الإيرانية يتمثل في ورقة مضيق هرمز ، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وقد أعلنت إيران بالفعل إغلاق المضيق وهددت بمهاجمة أي سفينة تحاول عبوره، الأمر الذي قد يسبب تداعيات اقتصادية كثيرة على مستوى العالم. وفي هذا السياق، أعلنت مجموعة الدول السبع استعدادها لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما في ذلك استخدام الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، بهدف استقرار الأسواق العالمية.

ورغم التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يؤكده العديد من الخبراء العسكريين، فإن إيران ما تزال قادرة على توجيه ضربات تستهدف البنية التحتية داخل إسرائيل، فضلاً عن تهديد تدفقات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.

كما أن الحرب الحالية تحمل مخاطر إنسانية كبيرة، إذ تهدد حياة المدنيين في عدد من دول المنطقة، في حين أن الضربات الصاروخية التي طالت بعض دول الخليج قد تترك آثاراً سياسية طويلة الأمد على العلاقات الإيرانية مع الدول العربية.

ومن ناحية أخرى، يسعى ترامب إلى تحقيق مكاسب سياسية سريعة قبل الانتخابات النصفية للكونغرس. غير أن كلفة الحرب بدأت ترتفع بشكل ملحوظ على الولايات المتحدة . أما إسرائيل فتواجه بدورها أضراراً كبيرة نتيجة الضربات الصاروخية وحالة القلق بين السكان، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية الثقيلة، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من جيشها يتكون من قوات الاحتياط، الأمر الذي يؤدي في كل حرب إلى تعطّل قطاعات اقتصادية واسعة.

صحيح أن إيران لن تستسلم بسهولة، إلا أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية المدنية والعسكرية، إضافة إلى الضغوط الأمنية والاقتصادية التي قد تهدد استقرار النظام نفسه. لذلك فإن إطالة أمد النزاع ليست بالضرورة في مصلحة طهران، لأن حرب الاستنزاف قد تنعكس عليها أيضاً.

كما أن عدداً من الدول الأوروبية الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا  تضررت بشكل واضح من اضطراب إمدادات النفط والغاز. ولهذا السبب تتزايد الجهود الدبلوماسية، العلنية والسرية، لوقف الحرب، ومن بينها المساعي التي يقودها الرئيس الروسي بوتين للتوسط بين الأطراف المتحاربة.

في نهاية المطاف، يبدو أن الحل السلمي والعودة إلى طاولة المفاوضات يظل الخيار الأكثر أماناً لجميع الأطراف. غير أن الثقة بين إيران والولايات المتحدة تضررت بشدة . وربما يكون السيناريو الأكثر واقعية هو التوصل إلى هدنة مؤقتة، لكن إذا بقيت القضايا الجوهرية دون حل، فإن خطر اندلاع مواجهة جديدة سيظل قائماً.

ومع ذلك، من غير المرجح أن تستمر هذه الحرب لفترة طويلة، لأن استمرارها لا يخدم مصالح أي طرف، سواء الدول المتحاربة نفسها أو بقية دول العالم التي تراقب الصراع وتتحمل تبعاته الاقتصادية والسياسية. وفي ظل هذا الواقع، قد تدفع الضغوط الدولية والاقتصادية في نهاية المطاف جميع الأطراف إلى وقف القتال والبحث عن تسوية سياسية مقبولة.

 


مشاهدات 72
الكاتب ادهم ابراهيم
أضيف 2026/03/15 - 4:19 PM
آخر تحديث 2026/03/16 - 3:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 141 الشهر 13201 الكلي 15005270
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير