الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشيخ عبد اللـه حمدالعطية كما عرفته: شهادة من كواليس إستعادة العراق لمقعده في الاوبك (1)

بواسطة azzaman

الشيخ عبد اللـه حمدالعطية كما عرفته: شهادة من كواليس إستعادة العراق لمقعده في الاوبك (1)

ابراهيم بحر العلوم

 

في السابع العشرين من أيار/مايو 2026، رحل وزير الطاقة والصناعة القطري الأسبق الشيخ عبد الله بن حمد العطية، أحد أبرز رجال الطاقة في الخليج والعالم العربي، والذي ارتبط اسمه بتحول قطر إلى قوة رئيسية في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وبحضور مؤثر داخل منظمة أوبك وأسواق الطاقة العالمية.

لم يكن استذكار الراحل استذكاراً لرجل دولة فحسب، بل كان استحضاراً لمحطة عراقية خاصة ومهمة عشنا تفاصيلها عن قرب، يوم عاد العراق إلى اجتماعات منظمة أوبك في أيلول/سبتمبر 2003، بعد سقوط النظام السابق وتشكيل الحكومة العراقية الأولى في ظل مجلس الحكم.

لقد كان الشيخ عبد الله العطية في تلك اللحظة رئيساً لمؤتمر أوبك، وكان حريصاً على أن يستعيد العراق مقعده الطبيعي في المنظمة التي شارك في تأسيسها، واستضافت بغداد اجتماعها التأسيسي عام 1960. ومن هنا تأتي هذه الشهادة، لا بوصفها سيرة للراحل، بل بوصفها توثيقاً لواحدة من المحطات التي كان له فيها دور  في عودة العراق إلى الأسرة النفطية الدولية.في هذه الصفحات نسجل بعض الوقائع والاتصالات والمواقف التي سبقت اجتماع أوبك رقم 127 في فيينا، وما رافقها من تحفظات ومشاورات، وصولاً إلى المؤتمر الصحفي العراقي الذي أعقب الاجتماع، والذي مثّل أول إطلالة عراقية نفطية واسعة أمام الإعلام الدولي بعد التغيير.

1 -العراق وأوبك قبل العودة

كان العراق من الدول الخمس المؤسسة لمنظمة البلدان المصدرة للنفط، إلى جانب السعودية والكويت وإيران وفنزويلا. وقد احتضنت بغداد، في أيلول/سبتمبر 1960، الاجتماع الذي ولدت فيه المنظمة، في لحظة تاريخية عبّرت عن إرادة الدول المنتجة في الدفاع عن مصالحها النفطية في مواجهة الشركات الكبرى وسياسات التسعير التي كانت تتحكم بها آنذاك.

ومنذ ذلك التاريخ، ظل العراق ركناً مهماً في المنظمة، بما يمتلكه من احتياطيات كبيرة وموقع جغرافي مؤثر وقدرة كامنة على زيادة الإنتاج. إلا أن الحروب المتعاقبة، ابتداءً من الحرب العراقية الإيرانية، ثم غزو الكويت عام 1990 وما تبعه من قرارات دولية وحظر  اقتصادي ، أضعفت حضور العراق داخل المنظمة وحالت دون مشاركته الفاعلة في صياغة سياسات الإنتاج والأسعار.

لقد أدت المغامرات العبثية والسياسات الرعناء للنظام السابق، وما أعقبها من حرب وحصار، إلى دمار واسع في بنية العراق الاقتصادية، وخاصة في قطاع الطاقة. ومع أن العراق عضو مؤسس في أوبك  فإن ظروفه السياسية والاقتصادية غيب صوته الفاعل عن الأوبك والكثير من المنابر الدولية.

وعند سقوط النظام السابق في نيسان/أبريل 2003، وجد العراق نفسه أمام تحديات هائلة: بنى تحتية متضررة، منشآت نفطية مدمرة بحاجة إلى إعادة تأهيل، قدرات تصديرية محدودة، وحاجة ملحة إلى توفير الموارد المالية اللازمة لإعادة الإعمار. ومع ذلك، فإن العودة إلى أوبك لم تكن بالنسبة لنا مسألة إنتاج وحصص فقط، بل كانت قبل كل شيء خطوة سياسية ووطنية لكسر العزلة واستعادة الحضور العراقي في المؤسسات الدولية.

 2 -مبادرة الوزير العطية

في الأسبوع الأول من تسلمي مهامي كأول وزير للنفط بعد التغيير، ضمن حكومة مجلس الحكم التي شُكّلت في 28 آب/أغسطس 2003 وأعلن عنها الرئيس الدوري لمجلس الحكم الدكتور إبراهيم الجعفري، تلقيت اتصالاً من وزير الطاقة والصناعة القطري الشيخ عبد الله العطية. كان ذلك في مطلع أيلول/سبتمبر 2003، وكنت في طريقي إلى الوزارة. جاء صوته هادئاً وواضحاً، مهنئاً بتشكيل الحكومة ومباركاً اختياري لقيادة القطاع النفطي العراقي في تلك المرحلة الصعبة. أعرب عن أمله في استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق، ثم انتقل مباشرة إلى الموضوع الذي كان يشغل باله: عودة العراق إلى اجتماعات أوبك.

 

نقل العطية رغبة المنظمة في أن يعود العراق إلى مقعده، وقال إنه، بصفته رئيساً لمؤتمر أوبك، سيكمل اتصالاته مع أعضاء المنظمة بشأن مشاركة العراق في الاجتماع المقبل المقرر في نهاية أيلول/سبتمبر 2003.

وبعد أيام قليلة، عاود الاتصال مرة ثانية ليبلغنا بأن الجو العام داخل المنظمة يرحب بعودة العراق، وأنه يتمنى أن تسعى الحكومة العراقية إلى الموافقة على المشاركة في الاجتماع القادم. وكان واضحاً من نبرة حديثه أنه يبذل جهداً حقيقياً لدفع الأمور في اتجاه عودة العراق.

٣-موقف وزارة النفط ومجلس الحكم

عقدنا عدة اجتماعات مع محافظ العراق لدى أوبك والخبراء المختصين في الوزارة، لدراسة الموقف من مختلف جوانبه. وكانت الرؤية متجانسة إلى حد بعيد: لا بد من العودة والمشاركة في الاجتماع. وعلى العراق أن يكون حاضراً في المحافل الدولية التي تتصل بثروته الأساسية ومستقبله الاقتصادي.

من حهة أخرى، كان هناك في أوساط المنظمة قلق من احتمال عدم رغبة العراق في العودة إلى أوبك أو الالتزام مستقبلاً بالمحددات الإنتاجية الحاكمة لأعضاء المنظمة من اجل الحفاظ على أسعار مجزية. ولعل هذا الانطباع تولد بسبب بعض التوصيات التي أشار إليها عدد من الخبراء العراقيين، إضافة إلى تصريحات بعض المستشارين الأميركيين. وقد أشارت بعض وكالات الطاقة إلى هذه الأجواء، وتناولت رويترز جانباً منها في تقاريرها آنذاك.

وفي مقابلة مع وزير النفط السعودي علي النعيمي، أشار إلى أن من مصلحة العراق والدول المنتجة العمل من أجل استقرار السوق النفطية عبر أسعار مجزية لجميع الأطراف. كان ذلك يعكس إدراكاً عربياً ونفطياً بأن عودة العراق ينبغي ألا تُفهم بوصفها تهديداً للسوق، بل بوصفها استعادة لدور دولة مؤسسة تحتاج إلى وقت حتى تستعيد طاقتها الإنتاجية والتصديرية.

في قناعتي، لم يكن النقاش العراقي، سواء على المستوى السياسي أو النفطي، يدور حول الجدوى الاقتصادية المباشرة من العودة إلى أوبك. فالكل كان يعلم أن تعافي العراق يحتاج إلى أكثر من عامين، إذا ما توفرت استثمارات التأهيل والتطوير، حتى يقترب من حصته الإنتاجية المقررة قبل الحرب. لذلك كان الدافع الأساسي للعودة، من جهتنا على الأقل، هو كسر العزلة التي فُرضت على العراق، واستعادة إطلالاته الدولية، ليكون له صوت مسموع في المنظمات التي غاب عنها.

جاءت موافقة مجلس الحكم العراقي على مشاركة العراق في اجتماعات أوبك بعد مناقشات مع رئيس المحلس وأعضاء اللجنة الاقتصادية في المجلس. واقترح المجلس أن يشارك أحد أعضائه المناوبين في الوفد. وكان ذلك يعكس بوضوح وجود قرار عراقي بضرورة استعادة المكانة الطبيعية للعراق في أوبك، بوصفه أحد المؤسسين الخمسة للمنظمة وصاحب الذاكرة التاريخية لاجتماع بغداد عام 1960.

في الوقت ذاته، لم نلمس أي إشارة أو تصريح من سلطة الائتلاف المؤقتة يشير إلى عدم الرغبة في عودة العراق إلى أوبك. وربما كان مثل هذا الموضوع سابقاً لأوانه بالنسبة لهم ما دامت القدرات الإنتاجية للحقول تحتاج إلى زمن ليس قليلاً لاستنهاضها. وعلى العموم، لم تكن هناك محددات ضاغطة من الجانب الأميركي أو من سلطة الائتلاف على قرارات الوزارة في هذا الملف.

3 - التحفظات الإقليمية ودعم الكويت وإيران

من جهة أخرى، تولد لدينا إحساس من خلال اتصالات الوزير العطية المتكررة بأن هناك معارضة أو تحفظاً من بعض الأعضاء على عودة العراق، وأن جهوداً تبذل لتذليل العقبات. وكان هناك أيضاً نوع من التحفظ لدى بعض دول الخليج من الانفتاح على الوضع السياسي الجديد في العراق. وقد لمسنا ذلك أثناء زيارة وفد مجلس الحكم برئاسة الدكتور إبراهيم الجعفري، في نهاية تموز/يوليو 2003 وقبل تشكيل الحكومة، إلى دولة الكويت  والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية ومصر والجامعة العربية.

وإذا ما استثنينا إيران والكويت، باعتبارهما المتضررين المباشرين من سياسات النظام السابق، بسبب حرب صدام ضد إيران وغزوه الكويت، فقد كانتا من أوائل دول الجوار التي اعترفت بالنظام السياسي الجديد في العراق عبر زيارات رسمية لمسؤولي وزارتي الخارجية في البلدين خلال أوائل ولاية مجلس الحكم. لذلك لم يكن لدينا شك في رغبة إيران والكويت بعودة العراق إلى المنظمة.


مشاهدات 51
الكاتب ابراهيم بحر العلوم
أضيف 2026/06/07 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 2:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 6856 الكلي 15882337
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير