شفت بعيني
زكي الحلي
شفت بعيني كيف صار العالم كله بين كفّين، شاشة صغيرة تحمل أفراح الناس وأحزانهم، أخبارهم وصورهم، صدقهم وكذبهم. ضغطة زر واحدة تكفي لتقول: أنا هنا… أنا موافق… أنا معجب. لكن هل فكّرنا يومًا ماذا تعني هذه الضغطة؟
زمان، كانت الكلمة تُحسب. اليوم صار “اللايك” كلمة صامتة، لكنه أبلغ من الكلام. حين تضغط إعجابًا، فأنت تشهد لصاحب المنشور، وتدعم فكرته، وتساعدها على الانتشار. كأنك تقول للناس: هذا يستحق أن يُرى.مهما كانت فكرة صاحب المنشور،
شفت بعيني منشورات تنفع الناس، علم وخير ونصيحة صادقة، فكان الإعجاب بها تشجيعًا لأصحابها. وشفت أيضًا أشياء تؤذي القلب: شائعات، سخرية، صور لا تليق، وتسقيط لا اخلاقي لمجرد اختلاف في وجهات النظر وكلام يجرح. هنا فهمت أن الصمت أحيانًا عبادة، وأن الامتناع موقف.لاسيما ونحن نعيش ظروف صعبة ومعقدة بعد ان فقدت السياسة مبادئها الحرة وخلعت الديمقراطية ثوب الحياء والخجل ،
سمعت من يقول: اللايك حرام. واستغربت. هل يعقل أن تكون الضغطة نفسها حرامًا؟ ثم تأملت، فاكتشفت أن المسألة أعمق. ليس الزر هو المشكلة، بل ما وراءه. مثل السكين؛ قد تقطع بها خبزًا أو تؤذي بها إنسانًا.
الدين علّمنا المسؤولية. كل شيء نفعله مكتوب، حتى الإشارة الصغيرة. وان الرحمن اقرب الينا من حبل الوريد ،فإذا كان الإعجاب ينشر خيرًا، فهو خير. وإذا كان يروّج لباطل، فهو مشاركة فيه، ولو بصمت.
تذكرت الحديث الشريف: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”. ليس خوفًا من الحياة، بل حرصًا على نقاء القلب. أن تختار ما يطمئنك، وتبتعد عما يزعج ضميرك.
من يومها، صرت أتأنّى قبل كل ضغطة. أسأل نفسي: هل أفتخر لو عُرض هذا أمام الله؟ إن كان الجواب نعم، ضغطت. وإن كان لا، تركت. لأني شفت بعيني… أن أبسط الأفعال قد تكون أثقلها في الميزان.