الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدستور والكتلةِ الأكبر.. عقدة الديمقراطية المؤجلة

بواسطة azzaman

الدستور والكتلةِ الأكبر.. عقدة الديمقراطية المؤجلة

محمد خضير الانباري

 

تتميزَ التجاربُ الديمقراطيةُ الراسخةُ في العالمِ بوضوحِ آلياتها الدستوريةَ في إدارةِ العمليةِ السياسية؛ إذْ جرى العرف، في معظمِ الدول، على تكليفِ الحزبِ أوْ الائتلافِ الحاصلِ على أكبرِ عددٍ منْ المقاعدِ البرلمانيةِ بتشكيلِ الحكومةِ عقبَ الإعلانِ عنْ نتائجِ الانتخاباتِ التشريعية، ليباشر بعدها مفاوضاتٌ سياسيةٌ تهدفُ إلى نيلِ ثقةِ البرلمانِ ولا يكونُ لرئيسِ الجمهوريةِ دور مباشرٍ في مسارِ تشكيلِ الحكومة، باعتبارَ أنَ انتخابهُ يتمُ وفقَ إجراءاتٍ دستوريةٍ مستقلة، وموجود قبل الانتخابات البرلمانية، وغالبا ما يقتصرُ دورهُ على مهامَ بروتوكوليةٍ أوْ تصريفية، كما هوَ معمولٌ بهِ في أغلبِ الدولِ الأوروبية، وكذلكَ في عددٍ منْ الملكياتِ الدستورية، وفي حالِ إخفاقِ الحزبِ أوْ الائتلافِ المكلفِ في تشكيلِ الحكومةِ خلالَ الأجلِ المحددِ قانونا، يصار إلى تكليفِ الكتلةِ التاليةِ في الترتيبِ البرلماني، وإذا تعذرَ عليها بدورها تشكيلَ الحكومة، تلجأَ الدولُ إلى حلِ البرلمانِ والدعوةِ إلى انتخاباتٍ مبكرة.

إنَ تعليقَ مصيرِ الدولةِ أوْ تعطيلِ مسارِ تشكيلِ الحكومةِ على تفاهماتِ شخصيةٍ ضيقةٍ بينَ عددٍ محدودٍ منْ الفاعلينَ المؤثرينَ في العمليةِ السياسية، بقصدَ التوصلِ إلى اختيارِ رئيسٍ توافقيٍ للجمهورية، يتولى لاحقا تكليفَ رئيسِ الكتلةِ النيابيةِ الأكبرِ عدداً المشكلة بعد الانتخابات، يعدْ مسلكا معقدا في العمليةِ السياسية، والتي أشارَ إليها الدستورُ العراقي، في المادةِ (72/ ثانيا/ ب ) ، وقانونَ أحكامِ الترشيحِ لمنصبِ رئيسِ الجمهوريةِ رقمٍ (8) لسنةِ 2012، ولا سيما المادةُ (13) منه، وقدْ أثبتَ الواقعُ العملي، أنها أسهمتْ في تعقيدِ المشهدِ السياسيِ العراقيِ عقبَ كلِ عمليةٍ انتخابية، بما يحولُ العمليةَ السياسيةَ إلى حالةٍ منْ العبثِ السياسي، تتنافى معَ متطلباتِ الحكمِ الرشيد، ولا تنسجمُ معَ مبادئِ الدولةِ الدستوريةِ وسيادةُ القانون.  ومنْ هنا تتجلى المسؤوليةُ التاريخيةُ الملقاةُ على عاتقِ النخبِ السياسيةِ والقانونيةِ والدستوريةِ في تبني موقفٍ قانونيٍ صريحٍ وحاسم، يضعَ حدا لهذا الخللِ البنيويِ الذي يجري تسويقهُ تحتَ مسمياتٍ مضللةٍ مثل (التوازن) أوْ (التوافقُ ) ، في حينِ أنهُ لا يعدو كونهُ تكريسا ممنهجا لنظامِ المحاصصة، المرفوضَ شعبيا.  ويكمنُ الحلُ في اعتمادِ آليةٍ قانونيةٍ واضحةٍ ومحددةٍ لانتخابِ رئيسِ الجمهوريةِ لمدةٍ زمنيةٍ معلومة، بمعزلِ عنْ نتائجِ الانتخاباتِ البرلمانية، وذلكَ عبرَ نصٍ دستوريٍ معدل، سواءً منْ خلالِ تعديلٍ دستوريٍ صريح، أوْ عبرَ تفسيرٍ قضائيٍ تصدرهُ المحكمةُ الاتحاديةُ العليا يقضي بتمديدِ ولايةِ رئيسِ الجمهوريةِ الحاليةِ لمدةِ سنةٍ واحدة، تستكمل خلالها إجراءاتِ التعديلِ الدستوريِ بما يخدمُ المصلحةَ الوطنيةَ العليا.

ووفقَ هذا التصور، يتمَ فصلُ منصبِ رئاسةِ الجمهوريةِ عنْ مخرجاتِ الانتخاباتِ البرلمانية، على غرارِ ما هوَ معمولٌ بهِ في التجربتينِ الدستوريتينِ الألمانيةِ والإيطالية، وغيرها منْ التجاربِ الموازنةِ. كما يستلزمُ الإصلاح، إلغاءٌ مفهوما (الكتلةَ التي تتشكلُ بعدَ الانتخاباتِ ) ، واعتمادَ مبدأِ دستوريٍ واضحٍ يقضي بأنَ الحزبَ أوْ الكتلةُ المسجلةُ قبلَ الانتخاباتِ والحاصلةِ على أعلى عددٍ منْ الأصوات، هيَ التي تتولى تشكيلَ الحكومة، بما يضعُ حدا للتجاوزاتِ والإشكالاتِ التي تنشأُ بينَ الكتلِ الفائزةِ عقبَ كلِ عمليةٍ انتخابية.

 

 

 

 

 


مشاهدات 36
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/03/04 - 3:18 PM
آخر تحديث 2026/03/05 - 2:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 76 الشهر 4073 الكلي 14958142
الوقت الآن
الخميس 2026/3/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير