الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العبث الدستوري مقابل الإستقرار

بواسطة azzaman

العبث الدستوري مقابل الإستقرار

محمد حمزة الجبوري

 

الخرق الدستوري الذي رافق المشهد السياسي بعد الانتخابات الأخيرة لم يكن تفصيلاً عابراً، بل كان اختباراً صريحاً لمدى جدية الدولة في احترام قواعدها العليا؛ ما جرى كشف هشاشة الفكرة حين تصطدم المصالح بالالتزام، وكشف أيضاً أن بعض القوى لا ترى في الدستور سوى ورقة تستخدم عند الحاجة أو تهمل عند التعارض مع الحسابات السياسية؛ لعمري ان في العراق اليوم لا تبدو الأزمة أزمة نصوص بقدر ما هي أزمة إرادة سياسية غائبة؛

سجال انتخابي

فالدستور لم يكتب ليكون مادة سجال انتخابي، بل ليكون سقفاً يحكم الجميع ويستظل بأفياءه من خرجوا لأستدامة الفعل الديمقراطي وأنجاح الاستحقاقات الانتخابية  لكن السلوك السياسي الذي أعقب الانتخابات أعاد إنتاج مشهد مألوف «البحث عن مخارج تفسيرية للنصوص الصريحة»، وكأن الوضوح الدستوري أصبح عبئاً يجب التخلص منه بدل الالتزام به وتحريفه ودعوة تعديله المنافقة بدل تطبيقه بمعنى» التضليل الدستوري « والتحايل على الشرعية؛ فبدلا من  ايجاد بيئة حراك دستوري تدعو لتطبيق الشرعية الدستورية وترصين المؤسسات نجد لهاثا غير مبرر للقفز على الاستحقاق وضرب التوقيتات واستمرار للتسويف السياسي وتصاعد الخلاف وتعاظم الرمزيات على حساب دستور يخترق ووطن يتشظى؛ كل المعطيات تشير الى ضيق الافق السياسي حيال التعاطي مع التحديات.

 الخطير في العبث الدستوري أنه لا يبدأ بانتهاك كبير وصادم، بل بخطوات محسوبة تقدم للرأي العام باعتبارها ضرورة سياسية أو استجابة لظرف استثنائي؛ هكذا تتحول الاستثناءات إلى قواعد غير مكتوبة، وتصبح القاعدة الدستورية نفسها رهينة ميزان القوى لا ميزان القانون وهنا تكمن المفارقة ويبرز العطب  وعندما تدار الدولة بهذه الطريقة، فإنها لا تكتفي بتقويض النص، بل تقوض معنى الدولة ذاته الى ان تمتزج  الاحتياطات القانونية بالتشددات الدستورية؛ الدستور لابد ان  يكون  المعيار الثابت لانضاج التجربة  وانفاذ القانون اما ان يصار الى تعددية المعاير الدستورية والتفسير بالرأي سياسيا هذا بداية نهاية الدولة وارتهانها لمصالح متباينة؛  الاوثق لأكتشاف قيمة الدولة هو في تطبيق الدستور وتجريم خرق مواده والعبث بثوابته .

استقرار سياسي

ما بعد الانتخابات كان يجب أن يكون مرحلة تثبيت الاستقرار السياسي، لا مرحلة إعادة فتح الصراع حول تفسير الدستور؛  فالدولة التي تسمح بتجاوز نصوصها العليا تحت أي مبرر كانت، ترسل رسالة خطيرة إلى المجتمع  أن القانون يمكن أن ينحني أمام الضغط السياسي  وحينها لا يعود المواطن واثقاً بأن صوته الانتخابي سيحترم في النهاية

إن أخطر ما في الخرق الدستوري ليس الأثر اللحظي، بل التراكم الصامت للفوضى المؤسسية؛ الدول لا تنهار بضربة واحدة، بل حين يصبح الالتزام بالقانون خياراً يمكن التنازل عنه  وما لم تحسم مسألة احترام الدستور باعتبارها مسألة سيادة قبل أن تكون مسألة سياسة، فإن أي حديث عن الاستقرار سيبقى مجرد شعار يعلق على جدار الواقع دون أن يغيره؛ الدولة لا تبنى على التأويلات المريحة، بل على احترام النص حتى عندما لا يخدم المصالح الآنية؛ ومن يظن أن تجاوز الدستور يمكن أن يكون طريقاً لربح جولة سياسية، قد يكتشف لاحقاً أنه فتح الباب لخسارة الدولة نفسها؛ لنفهم جيدا ان الدستور ليس يوتوبيا او مدرسة مثالية لا يمكن تحقيقها عمليا بل ينبغي ان يكون تجسيدا للقيم الروحية الوطنية ومعبرا عن الوجدان والهوية.

 


مشاهدات 23
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/03/04 - 1:45 PM
آخر تحديث 2026/03/05 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 4088 الكلي 14958157
الوقت الآن
الخميس 2026/3/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير