النووي الإيراني بين الصراع وإستنزاف الإستقرار
محمد علي الحيدري
المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد مجرد ملف تقني أو اتفاق مؤقت لضبط التخصيب وعدد أجهزة الطرد المركزي، بل أصبحت آلية مركزية لإدارة الصراع الاستراتيجي في الشرق الأوسط. في مرحلة يتسم فيها تآكل الردع التقليدي وتعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، تحولت هذه المفاوضات إلى اختبار لقدرة القوى الدولية على ضبط التوازنات دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
الولايات المتحدة تتعامل مع المحادثات من موقع السيطرة على ديناميكيات التصعيد وليس من موقع الحلول الجذرية.
فإدارة الصراع اليوم لا تعني معالجة جذور التوتر، بل منع أي تجاوزات تكلفها كثيرًا على المستويين العسكري والاقتصادي، مع الحفاظ على قدرة الردع دون الدخول في صدام مباشر مع إيران.
هذا النهج يعكس إدراك واشنطن أن أي أزمة كبرى في الشرق الأوسط قد تشتت تركيزها عن أولوياتها العالمية، من شرق آسيا إلى أوروبا، ويحول الملف النووي الإيراني إلى أداة لإبقاء المنطقة ضمن نطاق تحكمها الاستراتيجي.
ادارة القوة
من جانبها، تضع إيران المحادثات في سياق إدارة القوة وليس التنازل. فالبرنامج النووي لم يعد قضية تقنية فقط، بل أصبح ورقة استراتيجية لتعزيز النفوذ الإقليمي وخلق قدرة على المناورة في مواجهة العقوبات الاقتصادية وضغوط المجتمع الدولي.
التفاوض بالنسبة لطهران أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وكسب الوقت لتعزيز موضعها دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ما يجعل أي اتفاق محتمل مؤقتًا وقابلًا لإعادة التفسير بحسب المصالح الإقليمية والدولية.
اللافت أن الدول الإقليمية، وبالأخص دول الخليج، تظل خارج غرفة صناعة القرار، رغم أن نتائج المفاوضات ستحدد أمنها واستقرارها. هذا الوضع يخلق خللاً استراتيجيًا.
فالقوى الكبرى تدير ملفات الشرق الأوسط من الخارج، بينما تواجه دول المنطقة انعكاسات النتائج مباشرة، سواء من ناحية النفوذ الإيراني أو من ناحية المخاطر العسكرية المحتملة.
إسرائيل، بالمقابل، تتابع المحادثات بحذر شديد، معتبرة أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية يمثل تهديدًا مؤجلًا، ما يضمن إبقاء خيار العمل العسكري كأداة ضغط مستمرة.
في النهاية، لا يمكن قراءة المحادثات النووية على أنها محاولة لحل نهائي للصراع أو لتحقيق استقرار دائم. إنها أداة لإدارة الصراع وتقليل المخاطر، وليس لإنهاء النزاع.
السؤال الاستراتيجي الحقيقي الذي يواجه صانعي القرار اليوم هو: إلى متى سيظل هذا التوازن الهش قائمًا قبل أن يفرض الواقع مسارًا أكثر عنفًا، وما هي تكلفة استمرار هذا الوضع على الاستقرار الإقليمي والعالمي؟