الإنهاك عراقياً بين الترقيع والتفاؤل
عادل سعد
أن يكرس الإنهاك نفوذه الاشد في حياة العراقيين مع حالة من التليف المعقد ، فإن للوضع دلالاته العديدة ،واذا كان لسان حالهم يقول (والله تعبنا) اختصاراً للاوضاع التي هم فيها ، تظل الصور المأسوية التي مازالت تحكمهم زاخرة بالمزيد من المشاهد المؤلمة التي طالت وتطول الاغلبية العظمى منا .
ولكي ننصف هذا التشخيص بابعاده الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والمعرفية علينا ان نتوقف عند التصنيف الدقيق للانهاك، ماذا يعني، ماهي مؤشراته .
في التعريف العام ،الانهاك حالة من (الاستنزاف الجسدي والعاطفي والعقلي نتيجة ضغوط مزمنة) ويرى علماء النفس (أن ابرز معالمه نفاذ الطاقة والارهاق والتلبد الذهني وانخفاض الكفاءة وكذلك التعامل مع متطلبات العمل بالمزيد من الاهمال والسطحية وتذبذب حالات التركيز) ، والميل الى التسويات المذلة والسعي الى التكيف بالمزيد من الانصياع .
مؤشرات مختصرة
الحال لست هنا معنياً بالدخول الى تفصيلات واسعة عن اسبابه ،بل ساكتفي باعطاء مؤشرات مختصرة معروفة بتفرعاتها وامتدادتها ، وفي المقدمة الصورة الحصصية المقيتة التي جهّزها الاحتلال الامريكي لكي تكون عراب ادارة الحكم في العراق .
لقد اساءت هذه الصورة بمفرداتها الطائفية والمناطقية والاثنية عن سابق أمعان الى القيمة التضامنة التي كانت تطبع علاقات العراقيين مع بعضهم البعض ، وأسست مع الاسف تقاليد تخاصم ، إن لم اقل تقاتل بهدف تعميمها مما سلط على ادارة الحكم شخصيات نزقة في اطماعها الشخصية وضيق افاقها واستتبابها ضمن تلك الادوار بما يمكنها من ترتيب اوضاعها تلاعباً بالاسبقيات .
كل ما يتعلق بالفساد جيوبا ومنصات وتغطيات وافلات من العقاب وتكديس للثروات بايدي لصوص وسراق مال عام وخاص حتى بات له مريدون على رؤس الاشهاد، واذا كان القضاء مازال يتدخل لمحاسبة شخوص، فإن هذا التدخل ما زال بطيئا قياسا بسرعة تحرك الفاسدين وماترتب على ذلك من ضياعات مالية كان يمكن ان تؤسس لريع انتاجي تنموي غاية في الاهمية ، الفساد مازال اسرع من المحاسبة القضائية.
لجوء الحكومات التي تعاقبت على إدارة الحكم الى سياسات إرضائية وقتية كعمل (خيري) مجرداً من اية نظرة تعبوية تنموية بآفاقٍ مستقبلية.
في كل ذلك مازال التجريب سيد الموقف في ادارة الملف الاقتصادي العام بمقترحات مستشارين تحكم بينهم الندية والتشكيك المتبادل على وزن المثل العربي المعروف ( بعير بنيةٍ وبعران بنية اخرى). الحال ، اغلب الإجراءات الحكومية حصلت من اجل كسب( الود الآني) ، وتلك تندرج ضمن سياسات ترقيعية سرعان ما تتشقق تحت ضغط التذبذب والتواسي .
الورم العشائري الذي مازال طاغيا ،بل ويتقدم اغلب الاحيان على الضرورات القانونية في نفوذ متوحش لرؤوساء عشائر في مفاصل الدولة عنوةً واستباقاً وعفرتةً واستخدماً سيئاً لمفهوم (الاقربون أولى بالمعروف) ،بل ادى ذلك الى التدخل لتعطيل اجراءات أمنية ، ومن المعلومات الموثقة ، إن مطلوبين للعدالة القضائية يحظون بحماية مضايف ودواوين عشائرية ،ناهيك عن الفضيحة التي تمس القوانين العراقية (مطلوب عشائريا) ، اليافطة التي تزين مدن وبلدات مع الضياع المتعمد لمفاهيم التسامح إذ تعده الاغلبية تسليم بالضعف والهزيمة .
كثرة وتزاحم الرتب العالية عسكريا وامنيا وسياسيا وطائفيا ، بينما بعضهم لا يصلح ان توليه مسؤولية ادارة خمس معزات ضمن التكليف الابعد ، ويا ويل العراق من البلادة المعرفية التي تتحكم بهم .
ناطقين مخولين
التزاحم ايضا انسحب الى الميدانين الثقافي والاعلامي ويكفينا عدد الذين نصبوا انفسهم ناطقين مخولين بأسم الحقيقة .
إن ما اشرت اليه لايعني انني وضعت يدي على العلة الكاملة التي استشرت في العراق، لكني احسب لنفسي انني اجتهدت بدون طموح في الحصول على حسنة ، وحسبي أيضاً ، ان اللصوص لا يقيمون في الغابة ينتظرون المزيد من الثغرات لكي يواصلون التسلل الى الخزائن ،أنهم بيننا أما كيف التصدي ، فللحق اقول نحن بحاجة ماسة الى تدوير الاولويات ،احصوا ماهي حصة الرؤساء الثلاثة والوزراء والبرلمانيين واصحاب الدرجات الخاصة والمحظيات والمحظين الاخرين من التغطية على الاخطاء الفاذحة التي ترتكب وحاسبوا القادة.
بالمختصر المفيد ، ان راتب عامل بلدية أمين على نظافة الموقع الذي يعمل فيه هو ثمن وأجل من راتب (رئيس….) يأكل الكسل والتستر والنميمة مسؤولياته.
بالمختصر المفيد ، معالجة انفراط عدد وحجم مسؤوليات العمائم والرتب العسكرية والسياسية والحد من تغول حكام (المقاطعات) .
بالملّخص المفيد لا فرصة إلا بعاصفة قضائية وشعبية يعزلان التبريرات التي يتم الترويج لها .
عندها فقط سأضمن لكم صدور تصريح من الاخ نجم الربيعي ، إن (الامورعادت الى مجاريها الطبيعية) ، بل وسأضمن لكم امتناع صديقي المغني الشعبي ، صاحب لازمة ( گاغد وجاسه الماي گلبي ) من الظهور مجددا تحت نصب الحرية في الباب الشرقي .