عقيدة السماء الإنسانية
علي الدليمي
تظل الأديان السماوية منذ بداية الخليقة حتى خاتمتها، منبعاً واحداً لم يتبدل جوهره، مهما تلاطمت عليه أمواج التأويل ومهما لوثته أيدي أدعياء الدين.
رسالة واحدة في أصلها، تختلف شرائعها وتتعدد لغاتها، لكنها تلتقي عند غاية واحدة، هي الإنسان.
ولعل أبهى تجليات هذه الوحدة ما كان يفعله خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام حين يذكر من سبقوه، لم يكن يقول نبي بني إسرائيل أو نبي النصارى، بل كان يقول «أخي موسى، أخي عيسى»، بهذه البساطة العميقة التي تختزل قمة الأخلاق وذروة الفهم العقائدي الإنساني.
لم يطعن نبي في نبي، ولم يقلل رسول من شأن رسول، لأنهم جميعاً يحملون أمانة واحدة، ويأتون من مشكاة واحدة، فكيف يتنكر الفرع للأصل، وكيف يخاصم النور النور؟
لقد كان الإنسان هو قمة الرسائل السماوية وغايتها، لا موضوعاً هامشياً فيها، لم تنزل الشرائع لتقسم البشر إلى فسطاطين من الكراهية، بل نزلت لترفع الإنسان من وهدة الحيوانية إلى أفق التكريم الإلهي.
وحين نفهم الدين على أنه مشروع تكريم للإنسان، تسقط كل دعاوى العنصرية الدينية، وتتهاوى كل خطابات الإقصاء التي يرفعها من نصبوا أنفسهم حراساً للسماء وهم أبعد ما يكونون عن رحمتها.
ويروى أن جنازة مرت أمام النبي الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فنهض من مكانه ووقف لها احتراماً، فلما قيل له إنها جنازة غير مسلمة، قال قولته التي يجب أن تكتب بماء الذهب على أبواب المساجد والكنائس والمعابد: «أليست نفساً؟» وفي رواية أخرى «ألا يكفي أنها إنسان؟».
أي اختصار مذهل للعقيدة كلها في جملة واحدة، إنسان، يكفي أنه إنسان ليستحق الوقوف والاحترام والتقدير، لم يسأل عن دينه ولا عن قومه ولا عن لغته، سأل عن إنسانيته فحسب، فكانت كافية.
هذه هي أخلاق الأنبياء والرسل مع الناس جميعاً، دون تفرقة أو عنصرية أو اصطفاء زائف، دين لا يرى الإنسان إلا إنساناً، لا يرى فيه مشروع غنيمة أو مشروع تكفير، بل يرى فيه نفخة من روح الله تستحق أن يوقف لها سيد الخلق إجلالاً. فأين نحن اليوم من هذه الرموز الإنسانية الصحيحة؟ أين نحن ممن جعلوا من الإنسان غاية، بينما جعلنا نحن من الدين وسيلة للفرز والكراهية؟
لقد حول أدعياء الأديان عموماً الدين من عقيدة سماء إنسانية إلى هوية صراع، من رسالة رحمة إلى سجل إدانة، ومن وقوف لجنازة إنسان إلى الجلوس لانتظار جنازة آخر.
إن العودة إلى جوهر الدين ليست عودة إلى طقوس أكثر، بل عودة إلى إنسانية أكثر، فالدين الذي لا يجعلك تقف احتراماً لإنسان يختلف عنك، لم يصل بعد إلى قلبك، وإن حفظت نصوصه كلها.