حين أنبتني عشقك
شليمار عبد المنعم محمد
خُلقتُ من بين أضلعك،
نبتُّ من جذور اشتياقك،
حتى غدوتُ زهرةً لا يعرف
سرَّ عطرها سواك.
كأنّ بيننا ذاكرةً لم نعشها،
وموعدًا لم تعرف الأرض تاريخه؛
فما بدا لقاؤنا مصادفةً،
بل كأنّ فؤادي بلغ غايته
قبل أن يدرك ما كان يبحث عنه.
على أهدابي ينام طيف شفتيك،
يردّد صمتي نبراتك؛
حين يعانق صوتك سمعي،
يستيقظ الورد النائم بدمي،
تنهض فيَّ امرأةٌ انتظرت
اسمها طويلًا على لسانك.
يا مَن سكنتَ الروح قبل اللقاء،
كيف أُخفي اشتياقي وقد صار وجهك عنواني؟
كيف أهرب من عينيك،
وقد رأيتُ فيهما نجاةً
أخشى أن تكون أجمل غواياتي؟
خذني حبيبةً لا عابرةً بأيامك،
دعني ألوذ بصدرك إذا ضاقت بي الجهات؛
فما عرفتُ ملامح الأمان
إلا حين ضمّني دفء ذراعيك.
هناك، بين ذراعيك،
يخلع العالم ضجيجه عن كتفيَّ،
تستريح روحي من عناء الرحيل؛
كأنّ حضنك وطنٌ استردّت
فيه أنوثتي ملامحها
بعد تيهٍ طويل.
حين أعود إليك، أعود إلى نفسي،
لكنّني لا أجدها كما تركتُها؛
فقد بدّلتني محبّتك،
حتى غدوتُ غريبةً عن ملامحي؛
أعرف الطريق إليك،
ثم أضلُّ الطريق إليَّ.
تعالَ نسرق من العمر قبلةً
لا تعرفها الساعات،
نخبّئها في سرّ الشرايين
حيث لا تبلغها يد النسيان؛
نكتب على جبين الليل:
بعض اللقاءات لا تبدأ بتعانق الأجساد،
بل بلقاء روحين
على سرٍّ عجزت الأيام عن تفسيره.
لا تترك أحاسيسي فريسةً لبُعدك؛
فما أنبتَّه في روحي لم يعد
غصنًا تقتلعُه ريح الغياب،
بل جذورًا تشابكت بجذورك؛
حتى غدا الفراق سؤالًا:
أأنا التي تخشى فقدك،
أم أنتَ الذي يخشى أن يكتشف
يومًا أنّ شيئًا منه قد نبت فيَّ
لن يعود إليه؟
صغتَ من نبضي ملامح أنثى،
منحتَ حنيني اسمًا،
أيقظتَ بقلبي وطنًا
لا تفتح أبوابه إلا عيناك؛
لكنّك لم تدرِ أنّ المرأة التي أحبّتك
كانت تتبدّل كلّما ظننتَ أنّك عرفتها.
أأسكنُكَ داخلي، أم أسكنتني فيكَ
حتى ضاق بي اسمي؟
أأنا التي احتوتك بقلبها،
أم أنتَ الذي اتّسعتَ بروحي
حتى لم يبقَ لي متّسعٌ منّي؟
ما أخشاه من ولعي بك ليس أن أفقدك،
بل أن أتذكّر ملامحك كلّها
وأعجز عن تذكّر وجهي؛
أن أظلّ أعرف الطريق إليك،
ولا أجد الطريق إليَّ.
أعشقك؛
حتى غدا غيابك أوسع حضورًا منّي،
وصار صمتك أقدر
على إيقاظ الحنين من ألف كلمةٍ تقولها.
كيف يغيب مَن يحتلّ أعماقي؟
وكيف يحضر مَن لم يعد لغيابه
مكانٌ يتّسع له؟
كلّما كتبتُ اسمك، تفتّحت بصدري قصيدة؛
كأنّ الحبر لا يخطّ حروفك،
بل يكشف عن شيءٍ ينمو بدمي
منذ عرفتك.
أنا لستُ سطرًا يطويه النسيان،
ولا طيفًا يعبر الذاكرة ثم يمضي؛
أنا امرأةٌ إذا أحبّت، منحت الشعور هيئةً،
وألبست الوجع صوتًا،
حتى غدا صمتها أبلغ من الاعتراف.
يا سيّد الشغف، ما عاد حبّي لك عابرًا؛
لقد تجاوزتَ حدود الشعور،
حتى غدوتَ سؤالًا بدمي:
أأحبّك لأنّك أنت، أم لأنّ شيئًا منّي
لم يعرف اكتماله إلا معك؟
أنا عروس القصائد، لا لأنّ الحبر زيّن ثوبي،
بل لأنّ الشغف ألبسني ملامحي؛
تاجي وعدٌ لا يخبو،
وردائي حرير الحنين،
عرشي قلبٌ يتّسع،
لما تعجز الكلمات عن حمله.
إذا مرّ طيفك على حروفي،
ارتجف المعنى قبل الحبر؛
حين حاول الشعر بلوغك،
عاد مثقلًا بعجزه.
كيف تصف الكلماتُ مَن جعلها تولد،
ثم أعجزها عن وصفه؟
إن سألوا عن سرّ هذا الجمال،
قل: عشقٌ أنبتها؛ قلبٌ أحبّ حتى فاض،
روحٌ أخلصت للهوى
حتى غدا الشغف ملامحها.
لم أكتبك لأحتفظ بك،
بل لأكتشف مَن أكون
حين يعبر الحبّ روحي فلا يتركها كما كانت.
فما عدتُ أدري:
أأنا التي أسكنتك قلبي،
أم أنتَ الذي فتحتَ في روحي بابًا
دخلتُ منه إليك، ثم أغلقتَ خلفي العالم؟
أأنا التي أحببتك حتى صرتَ منّي،
أم أنّك أحببتني حتى نسيتُ أين أنتهي؟
كلّ ما أعرفه أنّني،
قبل عشقك،
كنتُ امرأةً تبحث عن قصيدة؛
لمّا أنبتني عشقك، صرتُ القصيدة
التي لم تعرف أنّها كانت تبحث عن نفسها.
أنبتني عشقك…
فأزهرتُ بك،
وصار قلبي يولد من جديد
كلّما أحببتك.