الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المهجرونَ في العراقِ.. ضحايا الإرهابِ وتجارةْ المعاناةِ

← بواسطة azzaman

المهجرونَ في العراقِ.. ضحايا الإرهابِ وتجارةْ المعاناةِ

 

محمد خضيرِ الأنباريِ

 

 إنَ الحديثَ عنْ واقعِ الأقلياتِ المهجرةِ وغيرِ المهجرةِ في العراقِ يحتاجُ إلى صراحةٍ لا تجاملُ أحدا، ولا تخفي الحقائق خلفَ الشعاراتِ والوعود، فالحلولُ ليستْ مستحيلة، لكنها تصطدمُ بتشابكِ المصالحِ والتدخلاتِ المحليةِ والإقليميةِ والدولية، وبكثرةِ اللاعبينَ في هذهِ الساحة، وما يحملونهُ منْ أجنداتٍ ومصالح، حتى أصبحَ المهجرُ البريءُ هوَ الحلقةَ الأضعف، يدفعُ ثمن صراعاتٍ لمْ يكنْ طرفا فيها.

  لا تكمنُ المأساةُ الحقيقيةُ في التهجيرِ وحده، بلْ في استمرارِ معاناةِ الإنسانِ بعدَ سنواتٍ منْ تركِ أرضهِ وبيتهِ وذكرياتهِ مكرها، هربا منْ الإرهابِ بمختلفِ مسمياتهِ وأشكاله.

   هناكَ منْ لمْ يتمكنْ منْ العودة، وهناكَ منْ عاد؛ ليجدَ بيته مدمرا، وأرضه مستباحة، ومصادر رزقهِ مفقودة، وأسباب الحياةِ الكريمةِ غائبة. فأيّ عودةْ هذهِ التي لا توفرُ الأمنَ والاستقرار، ولا تضمنُ للإنسانِ حقه في العيشِ بكرامة؟ للأسف، لمْ تتمكنْ وزارةُ الهجرةِ والمهجرين، ولا المنظمات الدولية المعنية، منْ تحقيقِ المستوى المطلوبِ منْ المسؤوليةِ في إنهاءِ هذهِ المعاناة، وتأمينِ عودةٍ حقيقيةٍ ومستدامةٍ للنازحينَ والمهجرينَ إلى مناطقهمْ الأصلية.

عائلات عالقة

لقدْ تعثرتْ الجهود، وتكررتْ الوعود، وبقيتْ أعدادٌ منْ العائلاتِ معلقةً بينَ مخيماتِ النزوحِ ومرارةِ الغربة، فيما طالَ انتظارها، وتآكلتْ قدرتها على تحملِ أعباءِ الحياة. والسؤالُ الذي ينبغي أنْ يطرحَ بصوتٍ عال: هلْ كانتْ المشكلةُ في غيابِ الحلول، أمْ في غيابِ الإرادةِ الجادةِ لتنفيذها؟ ولماذا تحولتْ بعضُ ملفاتِ التهجيرِ إلى مشاريعَ طويلةِ الأمد، تصرفُ عليها الأموال، وتعلنُ بشأنها المبادرات، بينما لا تزالُ النتائجُ دونَ مستوى الوعود؟

إنَ تضاربَ المصالح، وتشتتَ القرارات، وضعف التنسيق، واحتمال استغلالِ المساعداتِ لأغراضٍ غيرِ إنسانية، كلها مسائل تستوجبُ التحقيقَ والمساءلةَ والشفافية، بدل تركِ المهجرينَ أسرى الانتظار، منْ دونِ إجاباتٍ واضحةٍ عنْ مصيرهم.

  إنَ أخطرَ ما يمكنُ أنْ يحدثَ هوَ أنْ تتحولَ معاناةُ الفقراءِ إلى مصدرِ منفعةٍ للآخرين، ويصبحَ اسم المهجرِ وسيلة للحصولِ على التمويلِ والمساعداتِ والمكاسب، فيما لا يصلُ إلى صاحبِ المعاناةِ إلا النزر اليسير.

   إذا كانتْ هناكَ جهاتٌ تتاجرُ بآلامِ هؤلاء، أوْ تستغلُ مأساتهمْ لتحقيقِ مصالحَ خاصة، فإنَ الواجبَ يقتضي كشفها ومحاسبتها، أيا كانتْ مواقعها أوْ انتماءاتها؛ فالمالُ المخصصُ لإنقاذِ الإنسانِ أمانة، وليسَ غنيمة يتقاسمها المستفيدون.

فلا يجوزُ أنْ ننسى أنَ المهجرَ ليسَ رقما في تقرير، ولا صورة في حملةٍ إغاثية، ولا ملفّ يستحضرُ عندَ الحاجةِ إلى التمويل؛ إنهُ إنسانٌ لهُ حقٌ أصيلٌ في الأمنِ والسكنِ والعملِ والتعليمِ والكرامة، ولهُ الحقّ في العودةِ الطوعيةِ والآمنةِ إلى أرضه، متى توافرتْ شروطها، أوْ في الحصولِ على بدائلَ عادلةٍ تحفظُ حقوقه إذا تعذرتْ العودة.

    أما رسالتنا إلى هؤلاءِ الفقراءِ الصابرين، فهيَ ألا يفقدوا الأمل، وألا يتخلوا عنْ حقوقهم، وألا يسمحوا لأحدٍ بأنْ يجعلَ معاناتهمْ أمرا اعتياديا أوْ قدرا لا يمكنُ تغييره، فإذا عجزتْ بعضُ الجهاتِ التي ترفعُ شعارات الدينِ والإيمانِ عنْ توفيرِ الحدِ الأدنى منْ العدالةِ والرحمة، فإنَ منْ حقِ الإنسانِ أنْ يبحثَ عنْ الأمانِ والكرامةِ حيثما وجدهما، حتى لوْ كانَ ذلكَ في بلدانٍ توصفُ في الخطابِ المتعصبِ بأنها بلدانٌ كافرةٌ أوْ ضالة.

   إنَ القيمةَ الحقيقيةَ لا تقاسُ بالشعارات، بلْ بما يقدمُ للإنسانِ منْ عدلٍ ورحمةٍ وحماية. إنَ الأوطانَ لا تقاسُ بما ترفعهُ منْ شعارات، بلْ بما تمنحهُ لأبنائها منْ أمنٍ وكرامة، والدولةُ التي تعجزُ عنْ حمايةِ مواطنيها، ثمَ تعجزُ عنْ إعادتهمْ إلى بيوتهمْ أوْ توفيرِ حياةٍ كريمةٍ لهم، مطالبة بمراجعةِ سياساتها ومحاسبةِ المقصرينَ فيها.

     لقدْ آنَ الأوانُ للانتقالِ منْ إدارةِ أزمةِ التهجيرِ إلى إنهائها، ومنْ المؤتمراتِ والتصريحاتِ إلى النتائجِ الملموسة، ومنْ توزيعِ المسؤولياتِ إلى تحملها، فالمهجرُ لا يحتاجُ إلى مزيدٍ منْ الوعود، بلْ إلى بيتٍ آمن، وعمل كريم، وحقّ مصون، ومستقبل لا تحكمهُ مصالح الآخرين. فالتهجيرُ جريمة، وإهمالُ المهجرينَ مأساة أخرى، والمتاجرة بمعاناتهمْ جريمة أخلاقية لا يجوزُ السكوتُ عنه.


مشاهدات 83
الكاتب محمد خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/10/28 - 3:25 PM
آخر تحديث 2026/10/29 - 3:40 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1730 الشهر 60080 الكلي 16645249
الوقت الآن
الخميس 2026/10/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير