الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عقيدة نتنياهو .. من إحتواء التهديد إلى المبادأة بمنعه     (2-2)

← بواسطة azzaman

عقيدة نتنياهو .. من إحتواء التهديد إلى المبادأة بمنعه     (2-2)

الأبعاد الاستراتيجية وتداعياتها على الشرق الأوسط

 

ثائر العجيلي

 

لم يكن إعلان بنيامين نتنياهو عقيدته الأمنية في الثامن عشر من تشرين الأول 2026 حدثاً منفصلاً عن توقيته السياسي؛ إذ جاء قبل تسعة أيام من الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل تنافس حول المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر 2023 ومآلات الحروب اللاحقة. ولهذا يثير الإعلان سؤالاً يتجاوز البنود العشرة: هل أراد نتنياهو صياغة عقيدة أمن قومي طويلة الأمد، أم تحويل تجربته العسكرية إلى مرجعية سياسية للمرحلة المقبلة؟ إن التزامن الانتخابي لا يبطل المضمون الاستراتيجي للوثيقة، لكنه يفرض التمييز بين تصور أعلنه رئيس الوزراء، وعقيدة مؤسساتية ملزمة للدولة، وبرنامج سياسي يسعى صاحبه إلى الحصول على تفويض لتنفيذه.

تاريخياً، تأسست العقيدة الأمنية الإسرائيلية المرتبطة بدافيد بن غوريون على ثلاثة مرتكزات: الردع والإنذار المبكر والحسم العسكري، ثم أضيف الدفاع بوصفه ركناً رابعاً في أعمال لجنة دان مريدور عام 2006. وقد استهدفت هذه المنظومة تعويض محدودية العمق الجغرافي الإسرائيلي بالتفوق العسكري والقدرة على نقل المعركة إلى أرض الخصم وتقصير أمدها. أما وثيقة نتنياهو فلا تتخلى عن هذه المرتكزات، وإنما تعيد ترتيب أولوياتها، فتمنح المبادأة الهجومية ومنع تكوّن التهديد موقعاً متقدماً. وهنا يكمن الفارق الفلسفي: فالردع يسعى إلى منع الخصم من استخدام القوة، بينما يسعى المنع الاستباقي إلى تعطيل قدرته على امتلاك وسائل القوة قبل استخدامها.

وعندما ينتقل هذا المفهوم من الزمن إلى الجغرافيا، تظهر تداعياته الإقليمية. فإقامة المناطق العازلة لا تعني حماية الحدود القائمة فحسب، بل قد تعني نقل نطاق الأمن العسكري إلى أراضٍ تقع خارجها. وهنا تصبح المسافة بين الحدود السياسية والحدود الأمنية متغيرة بحسب تقدير التهديد. وتبرز آثار ذلك في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، فضلاً عن إجراءات التحصين على الحدود مع الأردن ومصر. غير أن توسيع مجال الانتشار لا يضمن بالضرورة توسيع مجال الأمان؛ فقد تنتج السيطرة الإضافية التزامات عسكرية وأمنية جديدة، وتفتح نقاط احتكاك إضافية مع المجتمعات والدول المجاورة، بما يجعل التدابير المؤقتة قابلة للتحول إلى مصادر دائمة للتوتر.

انتاج التهديد

أما إيران فتحتل موقعاً مركزياً في هذا التصور، ليس باعتبارها خصماً عسكرياً مباشراً فحسب، بل بوصفها مصدراً محتملاً لإعادة إنتاج التهديد عبر القدرات النووية والصاروخية وشبكات الحلفاء المسلحين. ولذلك لا يقتصر مفهوم المنع على مواجهة الخطر القائم، وإنما يمتد إلى الحيلولة دون إعادة بناء القدرات بعد تدميرها. وقد يؤدي هذا المنطق إلى تكرار العمليات العسكرية كلما ظهرت مؤشرات على استعادة القوة. وينعكس الأمر على العراق بدرجة غير مباشرة، بحكم موقعه في التوازن الإيراني–الإسرائيلي ووجود فصائل مسلحة ترتبط بإيران، دون أن يعني ذلك أن الوثيقة تمنح العراق وضعاً محدداً أو تتضمن إعلاناً بعمليات عسكرية ضده. وتكتسب العلاقة مع الولايات المتحدة أهمية خاصة في المبدأ المتعلق بالاستقلالية العسكرية والتكنولوجية. فالوثيقة لا تعلن الانفصال عن واشنطن، وإنما تدعو إلى تقليل الاعتماد على المورد الخارجي وزيادة القدرة على اتخاذ القرار العسكري المستقل. ويأتي ذلك في وقت أكد فيه نتنياهو أهمية الاستفادة من علاقته بإدارة الرئيس دونالد ترامب، مع التحسب لاحتمال تغير موقف الإدارة الأميركية مستقبلاً. وهنا تتشكل معادلة مزدوجة: الاحتفاظ بمزايا التحالف الأميركي، والسعي إلى تقليص القيود الناشئة عن الاعتماد التسليحي عليه. لكن الاستقلال في إنتاج بعض الذخائر لا يساوي الاستقلال الاستراتيجي الكامل، ما دامت التكنولوجيا والأسواق والتحالفات والموارد جزءاً من منظومة قوة مترابطة.

وفي البعد الإقليمي، تحمل الوثيقة محاولة للجمع بين التفوق العسكري وبناء التحالفات، وهي معادلة تتطلب بيئة سياسية مستقرة بقدر ما تتطلب قوة رادعة. فالدول العربية المجاورة تنظر إلى أمنها من خلال السيادة والحدود والاتفاقات القائمة، بينما قد يؤدي توسيع نطاق العمليات الوقائية والمناطق العازلة إلى زيادة حساسيتها تجاه التحركات الإسرائيلية. كما أن إدخال الاستيطان ضمن عناصر التماسك والأمن القومي يربط المسألة الفلسطينية بمفهوم أمني يتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة. ويتوقف أثر ذلك على السياسات التنفيذية ومدى احترام الاتفاقات الدولية والحدود والسيادة، وليس على إعلان المبادئ وحده. فالتفوق العسكري قد يوفر قدرة على فرض الوقائع، لكنه لا يضمن قبولها سياسياً.

تماسك وطني

ولا يقل البعد الداخلي أهمية عن البعد الخارجي؛ إذ تربط الوثيقة الأمن القومي بالهوية والتماسك الوطني والاستعداد للقتال، وتجعل من القدرة الصناعية والتكنولوجية جزءاً من متطلبات البقاء الاستراتيجي. غير أن هذا النموذج يواجه اختبار الاستدامة: فالاستعداد العسكري المتواصل وتوسيع الإنتاج الدفاعي وزيادة الميزانيات يحتاج إلى موارد بشرية ومالية، وقد يضغط على الاقتصاد والحياة المدنية والعلاقات الخارجية. ومن هنا نشأ داخل المؤسسات البحثية الإسرائيلية نفسها نقاش حول مخاطر تحويل المبادأة الهجومية إلى نهج دائم، والفارق بين تحقيق التفوق في المعركة وتحقيق استقرار سياسي يقلل الحاجة إلى معارك جديدة.

وفي المحصلة، لا تمثل وثيقة نتنياهو قطيعة كاملة مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية السابقة، بقدر ما تمثل إعادة ترتيب لأولوياتها تحت تأثير حروب ما بعد السابع من أكتوبر. غير أن أهميتها تكمن في احتمال تحويل الإجراءات العسكرية الاستثنائية إلى مبادئ ثابتة لإدارة الأمن الإقليمي. وهنا تتحدد المعضلة الاستراتيجية: هل تؤدي القدرة على منع التهديدات إلى تقليص الحاجة إلى الحرب، أم تجعل تقدير التهديدات المستقبلية مبرراً لاستمرارها؟ فالقدرة على الوصول إلى أرض الخصم لا تعني امتلاك القدرة على إدارة نتائج التدخل فيها، كما أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى استقرار سياسي. وبين أمن الدولة وسيادة الجوار يبقى السؤال الحاسم: أين تنتهي حدود الدفاع، وأين يبدأ اتساع الجغرافيا الهجومية؟

المصادر والمراجع

1. وثيقة نتنياهو الأمنية – النص العربي الكامل، 19 أكتوبر 2026.

2. معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS – لجنة مريدور والعقيدة الأمنية.

3. تمير هايمان – مفهوم الأمن القومي الجديد، 12 أكتوبر 2026.

4. The Times of Israel – عرض نتنياهو قبل الانتخابات، 18 أكتوبر 2026.

□ باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي


مشاهدات 84
الكاتب ثائر العجيلي
أضيف 2026/10/27 - 2:40 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 2:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 56059 الكلي 16641228
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير