الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صمام سعر الصرف في العراق.. هل أصبح نظام الصرف الثابت جزءاً من المأزق الإقتصادي؟

← بواسطة azzaman

صمام سعر الصرف في العراق.. هل أصبح نظام الصرف الثابت جزءاً من المأزق الإقتصادي؟

محمود داغر

 

لعل ما يجمع جوانب المأزق الاقتصادي العراقي الراهن هو ما يمكن تسميته (صمام سعر الصرف (Exchange Rate Valve) ( فالاقتصاد العراقي يتلقى إيراداته النفطية بالدولار، ثم تتحول هذه الإيرادات إلى دنانيرلتمويل الإنفاق العام Public Expenditure وتؤدي آلية الصرف هنا دور الصمام الذي يستوعب التغيرات في الإيرادات والتدفقات الخارجية، وعندما تتسع الفجوة بين الموارد الدولارية المتاحة والطلب على النقد الأجنبي (Foreign Exchange) لا تبقى المشكلة محصورة في سعر العملة بل تمتد إلى تمويل الموازنة والسيولة والاستيرادات والنشاط الاقتصادي بأكمله. وتتعقد هذه المعضلة بنظام صرف ثابت رسميًا Fixed Exchange Rate Regime ، يصعب الحفاظ على استقراره الفعلي في السوق مع تغير الظروف الاقتصادية فهذا النظام يوفر مثبتًا اسميًا (Nominal Anchor) للمعاملات والأسعار، لكنه قد يتحول إلى قيد على التكيف في اقتصاد محدود التنوع وشديد الاعتماد على النفط فعندما تنخفض الإيرادات النفطية وتبقى الالتزامات العامة مرتفعة تتراجع مرونة السياسة المالية (Fiscal Policy) وتضيق في الوقت نفسه مساحة حركة السياسة النقدية (Monetary Policy) حين تصبح المحافظة على سعر الصرف أولوية تتقدم على الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية الأخرى.

وتظهر المشكلة بوضوح عندما يتباعد السعر الرسمي (Official Exchange Rate) عن السعر الموازي (Parallel Exchange Rate) فالفجوة بينهما ليست مجرد فرق حسابي وإنما قد تعكس اختلالًا في عرض النقد الأجنبي والطلب عليه أو قيودًا على قنوات الوصول إليه أو تراجعًا في الثقة واضطرابًا في التوقعات ومع اتساع هذه الفجوة تزداد احتمالات تشوه تخصيص النقد الأجنبي وترتفع كلفة المعاملات (Transaction Costs) وتتراجع كفاءة النشاط الاقتصادي، وقد ينجح النظام في تثبيت السعر الرسمي من دون أن يحقق استقرارًا فعليًا في السوق. وهذا ما يوضح أهمية التمييز بين نظام الصرف المعلن قانونيًا ومؤسسيًا (De Jure) والنظام كما يعمل على أرض الواقع (De Facto) فقد تتبنى السلطات نظامًا ثابتًا رسميًا، بينما تفرض ظروف السوق قيودًا وتفاوتات تجعل عمله الفعلي أكثر تعقيدًا ولا تكمن المشكلة في هذا الاختلاف وحده بل في استمرار الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي وما تعكسه من ضغوط واختلالات لا يستوعبها السعر المعلن.

تحمل الصدمات

ولا يتعلق تقييم سعر الصرف الثابت بكونه جيدًا أو سيئًا في المطلق بل بمدى ملاءمته لخصائص الاقتصاد العراقي وقدرته على تحمل الصدمات، فالأنظمة الثابتة قد تكون مفيدة حين تتوافر إيرادات خارجية مستقرة وانضباط مالي (Fiscal Discipline) واحتياطيات كافية ومؤسسات قادرة على الحفاظ على مصداقية النظام، أما حين تكون الإيرادات شديدة التقلب والقاعدة الإنتاجية محدودة التنوع والإنفاق العام بطيء الاستجابة فإن كلفة الدفاع عن السعر الثابت قد ترتفع ويتحول المثبت الاسمي من أداة للاستقرار إلى مصدر للجمود.

وتعرض أدبيات صندوق النقد الدولي بشأن ترتيبات الصرف (Exchange Rate Arrangements) وتصنيفاتها خيارات متعددة تمتد من أنظمة الربط الصارم إلى درجات مختلفة من المرونة ومنها المرونة المدارة (Managed Flexibility)، ولا يعني ذلك وجود نظام مثالي يناسب جميع الاقتصادات فاختيار نظام الصرف يرتبط بطبيعة الصدمات ودرجة الانفتاح وعمق الأسواق المالية ومصداقية المؤسسات وأهداف السياستين النقدية والمالية لذلك يبقى الحكم على أي نظام مرتبطًا بكلفته ونتائجه الفعلية لا بمجرد التمسك به.

والبديل المستحق للدراسة في العراق ليس الانتقال غير المشروط للتعويم الحر Free Floating ولا الاستمرار في تثبيت السعر مهما اتسعت الاختلالات، بل بناء نظام للمرونة المدارة يجمع بين استقرار المعاملات والقدرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية ويتطلب ذلك مثبتًا اسميًا موثوقًا وقواعد واضحة للتدخل في سوق الصرف (Foreign Exchange Intervention) ومتابعة مستمرة للتضخم والاحتياطيات وتدفقات النقد الأجنبي إلى جانب شفافية أكبر في إدارة السوق وتخصيص الدولار، فالمرونة المقصودة ليست تخفيضًا متكررًا لقيمة الدينار لكن قدرة النظام على امتصاص الصدمات (Shock Absorption) من دون أن تتحول في كل مرة إلى أزمة في الاحتياطيات أو السوق الموازية أو القوة الشرائية (Purchasing Power).

تحقيق استقرار

لكن تغيير نظام الصرف مهما بلغت أهميته لن يكون كافيًا إذا لم يترافق مع إصلاح المالية العامة (Fiscal Reform)  ، فالاقتصاد المعتمد على النفط لا يستطيع تحقيق استقرار مستدام بمجرد تعديل آلية تسعير العملة ما دام الإنفاق الجاري يرتفع مع الإيرادات في فترات الرواج ثم يصعب خفضه عند تراجعها ولذلك يمثل توسيع الإيرادات غير النفطية وتحسين كفاءة الإنفاق وبناء هوامش مالية لمواجهة الصدمات (Fiscal Buffers) وتنويع القاعدة الإنتاجية شروطًا ضرورية لتخفيف الضغط على سعر الصرف واستعادة فاعلية السياسة النقدية. إن جوهر المأزق العراقي لا يقتصر على ثبات سعر الصرف بل في أن النظام القائم لا يمنح الاقتصاد المرونة اللازمة للتكيف مع ظروف متغيرة وحين يصبح الحفاظ على السعر الرسمي هدفًا بحد ذاته بدلًا من أن يكون وسيلة لتحقيق الاستقرارالاقتصادي   (Economic Stability) قد تتحمل السياستان النقدية والمالية كلفة متزايدة لحماية رقم لا يعكس بالضرورة توازن السوق.

وتبقى المفاضلة بين الاستمرار في نظام يضيّق هامش حركة السياستين النقدية والمالية وبين ترتيبات أكثر قدرة على الجمع بين استقرار المعاملات ومرونة الاستجابة، وعلى هذا الأساس يُقاس نجاح إصلاح سياسة الصرف في العراق بقدرته على تقليص فجوات السوق وحماية الاحتياطيات واحتواء التضخم وتخفيف كلفة الصدمات على النشاط الاقتصادي، فاستقرار العملة لا يتحقق بمجرد تثبيت سعرها بل ببناء نظام قادر على الحفاظ على الثقة والتوازن في ظل التغير.

 

 


مشاهدات 71
الكاتب محمود داغر
أضيف 2026/10/28 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/10/29 - 3:39 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1730 الشهر 60080 الكلي 16645249
الوقت الآن
الخميس 2026/10/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير