أستاذ عباس
فيصل عبد الحسن
في السبعينات نقلت الى مدرسة في تخوم البصرة كان معظم طلابها من الفقراء؛ والصفوف المدرسية مغبرة وكئيبة والسبورات حائلة الألوان وأحد الطلاب المشاغبين ملأ أديمها بالشمع فصارت كتابة الطبشور لا يظهر عليها؛ وجوه الطلاب كئيبة بملابس قديمة وأحذية من البلاستيك؛ ما أن يحركون أصابع أقدامهم داخلها في الصفوف حتى تثار زوبعة من الروائح الكريهة ومعظمهم يأتون إليها سيرا على الأقدام من منطقة شعبية بعيدة وفقيرة جديدة التاسيس تسمى الحيانية؛ بوجوه صفراء لم تذق أفواههم طعام الفطور ؛ ولم يدلق معظمهم الماء على وجوههم؛ ومعظم أساتذة المدرسة من معتمدي الروتينين ولا يهمهم الطالب فهم الدرس أو لا يفهمه؛ فهو في كل الأحوال ينتظر نهاية الشهر ليستلم العشرين دينارا راتبه ؛ ووسط هذا البؤس المدرسي الذي لا يبشر بخير ؛ كنت وقتها في الأول متوسط ؛ وكان الوقت يمضي بطيئا والدروس الشاغرة من الأساتذة حدث ولا حرج ؛ و المعارك بين شقاوات المدرسة كمعارك الديوك الهراتية وأغلبها يتم ضبط مواعيدها عند أنتهاء الدرس الاخير والخروج من المدرسة بشكل عشوائي؛ وكان كل شيء في هذه المدرسة المتعبة يسير ببطء من سيء إلى أسوأ وبعد أيام من بدء الدراسة وبالضبط في نهاية شهر اكتوبر دخل المدرسة شاب غريب الهيئة مضمد الرأس بلفافات طبية كثيرة وقد غطى رأسه لكي يخفي هذه الضمادات ببرنيطة أنجليزية كان نحيلا ويمشي مثل مشية اللقلق؛ وكان كثير الابتسام ورأيناه يدلف إلى غرفة مدير المدرسة اعتقدنا أنه ربما طالب جديد منعته ظروفه الصحية من الالتحاق بالمدرسة؛ ولكن حين دق جرس المدرسة والتحقنا بصفوفنا جاء مدير المدرسة ليقدمه لنا على أنه أستاذ التربية الدينية وكالعادة بعد مغادرة المدير الصف بدأ الأستاذ الجديد يطلب منا أن ندلي بأسمائنا .
كان لطيفا ومهذبا معنا وعرفنا على نفسه انه أستاذ عباس خريج كلية الأداب ؛ فبلغت بي الجرأة وأنا أشهد ضحكاته ولطفه أن اسأله عن هذه الضمادات الكثيرة التي تخفي معظم رأسه؛ فحكى لنا أنه كان قادما بأوراق تعيينه من بغداد لكي يباشر عمله في مدرستنا ولكن شاءت الأقدار أن تقع حادثة للحافلة التي تقلهم قريبا من العمارة وقد توفى معظم من كانوا من معه وتم نقله إلى مستشفى العمارة الجمهوري وهو كتلة من الدماء المتفجرة من كل جسده ومن جروح رأسه بالذات؛ يقول ضاحكا أنه ملأ المستشفى صراخا لفرط الألام خصوصا والدكتور والمضمدات اللاتي كن يخيطن جراحه المختلفة بلا تخدير فلم يكن التخدير معمولا به في تلك السنوات؛
وقال وهو يتنهد لن أنسى ما حييت لطف إحدى المضمدات التي كانت تضغط على يدي بلطف وتبتسم بوجهي كأنها تناجي رجولتي أن اتحمل الألم يقول وبالفعل من أجل تلك الإنسانة النبيلة وابتسامتها العذبة التي أشعرتني برجولتي فأخذت اعض على شفتي بأسناني لكي لا أصرخ !!..وبالفعل لم أصرخ حتى أكملوا عملهم؛ وأغمض أستاذنا عينيه متذكرا لحظات مهمة من حياته؛ هذه الحادثة التي وقعت لأستاذ عباس كانت الدرس البليغ الأول لنا عن السلوك الإنساني والمشاركة الوجدانية في الألم؛ أستاذ عباس الذي بدأ يدرسنا الدين لم يبدأ كما في المنهج الدراسي من غزوات المسلمين الأوائل وسور القرأن القصيرة بل بدأ معنا بالفلسفة اليونانية وجمهورية أفلاطون المثالية وفلسفة تعدد الألهة عند اليونانيين؛ وخلال شهر واحد من وجوده في مدرستنا أعاد ترتيب مكتبة المدرسة وجلب لها كتبا جديدة لا ندري من أين أتى بها ربما من مكتبته الخاصة وعلمنا على الإستعارة منها والمهم من كل هذا علمنا أن لا نصدق كل شيء نقرأه؛ وعلينا أن نتحقق من الاشياء قبل الحكم عليها .
سلام لك أستاذنا القدير أستاذ عباس وأنت تعيش في ألمانيا وطنك الثاني وسعدت بك ألمانيا فأمثالك للأسف لا نصيب للعراقيين بهم وبعلمهم ولطفهم .....