الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأوساط التشكيلية تنعي هادي عباس.. نحات ينقل رؤية متجذرة في التراث

بواسطة azzaman

الأوساط التشكيلية تنعي هادي عباس.. نحات ينقل رؤية متجذرة في التراث 

 

بغداد – علي الدليمي

نعت الاوساط التشـــــكيلية النحات هادي عباس الذي غيبه الموت الاثنين الماضي، إثر مرض ألمّ به طويلاً. ويعد عباس أحد أبرز النحاتين في مسيرة الحركة الفنية في العراق، فنان عاش منحنياً على مادته، مؤمناً بأن النحت ليس مهارة يدوية فحسب، بل سيرة طويلة مع الطين والذاكرة.

وكان عباس قد أقام معرضه الأخير قبل عدة شهور، معرض بدا كخلاصة لمسيرة وتتويج لرحلة بدأت من أبسط العناصر وأعمقها، بدأت بالطين والنحت الفخاري، بعشق عميق يمتد إلى فخاريات الحضارات القديمة. هذه الانطلاقة الجذرية تضع هادي عباس ضمن سياق فني يربط الممارسة الحرفية بالبعد الأركيولوجي والتاريخي، وتؤكد أن النحات العراقي لا يبدأ من فراغ، بل من ذاكرة جماعية سكنت الأرض قبل أن تسكن المتاحف.

الطين عنده لم يكن خامة رخيصة أو مرحلة تدريبية، بل أصل الحكاية، فيه رائحة بابل وسومر، وفيه دفء اليد الأولى التي صنعت إناءً وحفظت فيه الماء والحبوب والأسرار، ومن الطين انفتحت مسيرة عباس على التحول اللاحق إلى النحت البارز «الريليف»، والبورتريه، والموضوعات الاجتماعية، ونحت المصغرات، على خامات متنوعة كالبرونز والجبس.

هذا التنقل بين الخامات لم يكن ترفاً تقنياً، بل رغبة واعية في استيعاب التقاليد النحتية الكلاسيكية والمعاصرة، وفي اختبار قدرة الفكرة على البقاء حين تتغير المادة، وحين كان يتحدث عن البرونز، كان يشير إلى أنه «يحتاج إلى قوالب وممارسة عملية متواصلة وخبرة طويلة»، وهي ليست مجرد ملاحظة تقنية، بل إعلان التزام.

البرونز لا يغفر الاستعجال، ولا يقبل أنصاف الحلول، يحتاج إلى انضباط حرفي هو الشرط الأساسي لأي ممارسة نحتية جادة، وقد امتلك هادي عباس هذا الانضباط، فظل يتعلم من النار والقالب كما يتعلم غيره من الكتب.. لكن النقطة الأكثر لفتاً للانتباه في تجربته المتأخرة هي اعتماده على خامات جذوع النخيل، لينتج منها شواخص باهرة على طبيعتها، دون إدخال الألوان والتقنيات الأخرى.

هذا الاختيار لم يكن عفوياً ولا وليد صدفة أو حاجة مادية، فالنخلة في السياق العراقي ليست شجرة، بل رمز ثقافي وبيئي وروحي عميق، هي الأم والظل والوقوف رغم العطش. التعامل مع جذع النخلة بطبيعته، بتشققاته وعقده وأليافه، يمثل موقفاً جمالياً وفلسفياً يقترب من مفهوم «المادية الصرفة» في الفن الحديث، حيث يُحتفى بخصائص الخامة العضوية وتُرفض الإضافات اللونية كعناصر تشتيت.  لم يكن عباس يزين الجذع، بل كان يصغي إليه، يكشف ما فيه، يزيل الزائد ليظهر الشكل الكامن داخله، الشواخص التي أنتجها عباس من جذوع النخيل أصبحت بذلك أيقونات مستخلصة من البيئة، تحمل دلالة البقاء والشموخ المتأصلة في الجذع ذاته، هي أعمال تقف وحدها، لا تحتاج إلى قاعدة عالية ولا إلى شرح مطول، لأنها تنطق بلغتها. فيها شيء من الفن المفاهيمي المرتبط بالمكان، وشيء من فن المنشآت الأرضية، لكنها تظل عراقية خالصة، لأن النخلة لا يمكن أن تكون محايدة هنا.. كل جذع يحمل قصة قطع، وكل تشقق يحمل قصة جفاف وصبر. إن معرضه الأخير، بمجمل محطاته من الفخار إلى البرونز إلى جذوع النخيل، يرسم صورة لفنان انتقل بين المواد ليخدم رؤية متجذرة في التراث ومنفتحة على التعبير المعاصر في آن واحد، هو لم يقطع مع الأصالة ليكون حديثاً، ولم يتحجر في التقليد ليكون أصيلاً، بل وجد في الحرفة جسراً بينهما. يستدعي هذا المسار تحليلاً أعمق لدلالات استخدام جذوع النخيل كأثر فني يحمل عبء الرمزية الثقافية، ويدعو إلى دراسة كيفية صراع الفنان مع مفاهيم الأصالة والتجديد في بيئة فنية معقدة تطلب منه كل يوم أن يثبت أن النحت ما زال ممكناً.

برحيل هادي عباس يخسر المشهد التشكيلي العراقي نحاتاً عرف كيف يكون وفياً لمادته، وفياً لنخلته، وفياً لطينه الأول. لم يكن فنان ضجيج ومعارض مستعجلة، بل فنان ورشة، يترك الكلام للقالب وللفرن وللجذع. واليوم، بعد أن غابت يده، ستبقى الشواخص التي تركها واقفة، مثل النخيل نفسه، لا تميل ولا تنس

 

 


مشاهدات 45
أضيف 2026/09/23 - 2:26 PM
آخر تحديث 2026/09/24 - 12:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 65 الشهر 40354 الكلي 16572874
الوقت الآن
الخميس 2026/9/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير