الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي..عباس البغدادي

← بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي..عباس البغدادي

حارس الحرف وسفير الجمال العراقي

صالح رضا

 

حين نتحدث عن المبدعين العراقيين الذين تركوا بصماتهم في ذاكرة الفن العربي، فإننا نتوقف أمام أسماء جعلت من الفن رسالة حياة، ومن الجمال لغة تتجاوز الحدود. ومن بين هذه الأسماء يبرز الخطاط العراقي عباس البغدادي، الذي استطاع أن يجعل من الحرف العربي عالماً متكاملاً تتداخل فيه الهندسة مع الروح، والقواعد مع الابتكار، والتراث مع الرؤية الفنية المعاصرة.

ولد عباس شاكر جودي البغدادي في بغداد عام 1949، وبدأت رحلته الفنية بالرسم، إذ امتلك موهبة مبكرة وحساً بصرياً متميزاً، وحصل عام 1969 على جائزة بغداد لأفضل الرسامين الشباب. غير أن شغفه بالحرف العربي دفعه إلى التخصص في الخط، ليصبح واحداً من أبرز أعلامه في العصر الحديث، مستفيداً من تقاليد المدرسة العراقية العريقة، ومن خبرته الفنية ودراسته لأصول الخط وقواعده.

لم يكن البغدادي مجرد خطاط يتقن رسم الحروف، بل كان فناناً يمتلك رؤية خاصة في بناء اللوحة وتوزيع عناصرها. فقد تعامل مع الحرف بوصفه وحدة تشكيلية متكاملة، ترتبط بما يجاورها من حروف ومساحات وفراغات، وتخضع لعلاقات دقيقة من التوازن والإيقاع.

ومن هنا تكمن أهمية تجربته؛ فالخط العربي ليس مجرد كتابة جميلة، بل فن يحتاج إلى عين مدربة ويد متمرسة وإحساس يدرك أن جمال التكوين لا يتحقق إلا من خلال الانسجام بين الحروف والنسب والمساحات. وكان التحدي الذي يواجهه الخطاط المبدع هو أن يبتكر تكويناً مميزاً من دون الإخلال بأصول الحرف وسلامة بنائه.

وقد تميز البغدادي بإتقانه أنواعاً من الخط العربي، ولا سيما الثلث الجلي والنسخ، إلى جانب اهتمامه بالزخرفة الإسلامية والتصميم والطباعة. ولم يقتصر عطاؤه على إنجاز اللوحات، بل امتد إلى التعليم والتأليف، إذ أصدر كراسات متخصصة، منها ،،ميزان الخط العربي،، عام 1986، وتحفة الميزان،،عام 1990، إسJهاماً منه في نقل خبرته إلى الأجيال الجديدة.

ومن الجوانب اللافتة في تجربته اختياره اسم ،،بغدادي،،توقيعاً فنياً لكثير من أعماله. ولم يكن هذا التوقيع مجرد علامة تدل على صاحب اللوحة، بل حمل دلالة انتمائه إلى مدينته، حتى أصبح اسم بغداد حاضراً في هويته الفنية أينما حلّ. كما تحول التوقيع نفسه إلى تكوين خطي يعكس قدرته على التعامل مع الحروف برؤية جمالية خاصة.

ولم يبق إبداعه محصوراً في الخطوط التقليدية، بل امتد إلى النصوص الشعرية الحديثة، إذ كتب قصائد لشعراء من بينهم بدر شاكر السياب. وفي هذا اللقاء بين الشعر والخط تتجلى قدرة الحرف على منح الكلمة بعداً بصرياً جديداً، بحيث يصبح النص عملاً فنياً تتكامل فيه دلالة المعنى مع جمال الشكل.

وقد تولى البغدادي مسؤوليات مهمة في الحياة الفنية العراقية، فعمل في داري العربية والحرية للطباعة والنشر بين عامي 1975 و1980، وشغل منصب رئيس الخطاطين في الدولة العراقية من عام 1988 حتى عام 2003، كما ترأس جمعية الخطاطين العراقيين بين عامي 1999 و2003.

ومن أبرز محطاته الفنية كتابة مصحف الدولة العراقية الذي أُنجز عام 1998، فضلاً عن إسهامه في تصميم عدد من الوثائق الرسمية العراقية، ومنها هوية الأحوال المدنية وشهادة الجنسية وجواز السفر، إلى جانب العملة العراقية وشعار الدولة.

وهنا تتجلى أهمية تجربته من زاوية وطنية؛ فقد خرج فنه من قاعات العرض إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الحرف الذي صاغه جزءاً من الوثائق والرموز التي ارتبطت بذاكرة العراقيين. وهذه مكانة لا يحققها الفنان بكثرة أعماله وحدها، بل بقدرته على جعل إبداعه حاضراً في حياة الناس.

وبعد عام 2003 غادر البغدادي العراق، وأقام في الأردن، حيث واصل نشاطه الفني والتعليمي حتى عام 2008، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة، مواصلاً تدريس الخط العربي والتعريف به. كما خطّ عناوين كتاب «الكسوة الشريفة» في مكة المكرمة عام 2006، وأسهم في تصميم عملة إمارة أبوظبي عام 2007.

وتكشف هذه المحطات عن قدرة الفنان العراقي على حمل تراثه معه، حتى حين تفرض عليه الظروف الابتعاد عن وطنه. فالإبداع الحقيقي لا تحده المسافات، بل يجد طريقه إلى الآخرين، حاملاً معه ثقافة البلد الذي ينتمي إليه وذاكرته الجمالية.

وبوصفي فناناً تشكيلياً عشت سنوات طويلة مع الريشة والألوان ورسم الوجوه، أجد قواسم مشتركة بين فن البورتريه وفن الخط العربي. ففي رسم الشخصية لا يكفي نقل الملامح الخارجية، بل ينبغي البحث عما يمنح الوجه حضوره الإنساني. وكذلك الخطاط، لا يكفيه رسم الحرف بصورة صحيحة، بل عليه أن يمنحه حياة فنية من خلال التكوين والإيقاع والتوازن.

وفي كلا الفنين، لا تكتمل الموهبة من دون الدراسة والممارسة والصبر؛ فالتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها المشاهد العابر هي التي تصنع الفارق بين عمل عادي وعمل يستحق التأمل.

رحل عباس البغدادي في الولايات المتحدة في الثاني من أيار عام 2023، لكنه ترك وراءه إرثاً فنياً وتعليمياً يستحق أن يبقى حاضراً في الذاكرة العراقية. فالفنان لا يُقاس أثره بما أنجزه في حياته وحدها، بل بما يظل حياً من أعماله، وبما تتركه تجربته من أثر في الأجيال اللاحقة.

إن الوفاء للمبدعين العراقيين مسؤولية ثقافية وأخلاقية، لأنهم جزء من تاريخ الوطن وذاكرته. ومن هذا المنطلق تأتي هذه الوقفة ضمن مشروع ،،شخصيات من بلادي،، الذي أسعى من خلاله إلى تسليط الضوء على رموز العراق في الفن والأدب والثقافة، وتوثيق تجاربهم للأجيال القادمة.

رحم الله الخطاط العراقي الكبير عباس البغدادي، الذي جعل من الحرف عنواناً للإبداع، ومن اسمه صلة دائمة ببغداد، وترك لنا تجربة تؤكد أن الفن الأصيل يظل حياً ما بقيت هناك عيون تتأمل الجمال وقلوب تعرف قيمة الإبداع.


مشاهدات 75
الكاتب صالح رضا
أضيف 2026/10/27 - 1:06 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 3:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 340 الشهر 56167 الكلي 16641336
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير