الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين إستيقظ القلم من نيسابا إلى بيت الحكمة

← بواسطة azzaman

حين إستيقظ القلم من نيسابا إلى بيت الحكمة

امال طرزان مصطفى

 

بيت الحكمة ببغداد يستعد لعقد المؤتمر العلمي الثاني عشر والدولي الرابع لقسم الدراسات الاجتماعية حول التعليم والعمل وبناء المواطنة الفاعلة..حكاية عن المعرفة، ومسؤولية الكلمة، وحلم الأوطان

بينما كنتُ أجلس بعد يوم طويل من العمل، أستمع إلى أحد برامج البودكاست، كان رفيقي القلم متمددًا فوق الورقة، ساكنًا في صمت حزين، وكأن لسان حاله يقول:

«بي عطشٌ إلى متعة الكتابة… وإلى أن أعود رفيقًا لفكرةٍ تبحث عن النور».

نظر إليَّ نظرةً طويلة، كأنه يعاتبني على هجره؛ فقد تركته منذ أمدٍ بعيد.

وبينما كنت أرتشف قهوتي، إذا بالقلم ينتفض ويتراقص بجواري، كأنه استعاد شيئًا من روحه!

لم أكد أسأله عمّا أصابه حتى خُيِّل إليَّ أن الغرفة انفتحت على زمنٍ بعيد، وتسللت إليها رائحة التاريخ العراقي العريق، الممتد على ضفاف دجلة والفرات. التفتُّ إلى مكتبتي، فإذا بصورة امرأة مهيبة تخرج من بين الكتب، وتطل عليَّ في جلالٍ وكبرياء… كانت الملكة سميراميس.

نظرت إليَّ نظرةً متسائلة، ثم قالت:

— لماذا تؤجلين الكتابة يا ابنة الشرق؟ أأنتِ على خصامٍ مع رفيقك القلم، أم أن فراقكما طال حتى أوشك أن يتحول إلى نسيان؟

أطرقتُ قليلًا، ثم أجبتها:

— ربما ابتعدتُ عن القلم حتى كدتُ أبتعد عن نفسي. أخشى أن أكتب في عالمٍ سريع التغيّر، فلا تجد كلماتي طريقها إلى الناس، وأخشى أن تخذلني اللغة أو أعجز عن التعبير عمّا أؤمن به. وأحيانًا أتساءل: هل تستطيع الكتابة أن تُحدث تغييرًا حقيقيًّا، أم تظل الأفكار حبيسة الأوراق ما لم تجد من يؤمن بها ويجسّدها عمليًّا؟

نظرت إليَّ الملكة في هدوء، وقالت:

— الأوطان لا تُبنى بمن ينتظرون اكتمال الطريق، بل بمن يتعلمون ويحاولون ولا يستسلمون. انظري إلى كفّي يا ابنة الشرق، وتأملي كيف بدأت حكاية المعرفة.

مدّت كفَّها نحوي، وفي لحظة خاطفة أخذ المشهد يتبدل أمام عينيَّ؛ انحسر جدار الغرفة، وتلاشت رفوف مكتبتي، ووجدتني أعبر نافذةً من نور إلى زمنٍ سحيق، حيث تنساب مياه دجلة والفرات بين مدن الرافدين، وتلوح في الأفق ملامح حضارةٍ عريقة كانت الكتابة فيها من أعظم منجزات الإنسان.

ثوب بسيط

رأيتُ امرأةً سومرية تجلس أمام لوحٍ من الطين، ترتدي ثوبًا بسيطًا، وقد جمعت شعرها الداكن في ضفائر مرتبة. كانت تمسك بقلمٍ من القصب، وتنقش العلامات على مهل، بينما تجلس حولها فتياتٌ صغيرات يتابعن حركات يدها ويحاولن تقليدها؛ فتخطئ إحداهن، فتعاود المحاولة، وتتردد أخرى قبل أن تبدأ، فتمنحها معلمتها من الصبر والتشجيع ما يكفي لتواصل التعلّم.

سألتُ الملكة:

— من هذه المرأة، يا صاحبة الجلالة؟

أجابتني:

— إنها نيسابا، رمز الكتابة والحكمة والمعرفة في الموروث السومري. انظري كيف تنقل ما تعرفه إلى غيرها؛ فالمعرفة لا تحيا بالاحتفاظ بها، بل بتوارثها وتبادلها وإضافة الجديد إليها.

ثم أردفت:

— هكذا انتقلت المعرفة عبر القرون؛ من يدٍ تتعلم إلى يدٍ تعلّم، ومن فكرةٍ تُكتب إلى فكرةٍ تُضاف إليها، حتى أصبحت كل محاولةٍ صغيرة بدايةً لتغييرٍ لا نعرف مداه.

أغلقت سميراميس كفَّيها، فتلاشى المشهد شيئًا فشيئًا، وعادت الغرفة إلى سكونها الأول، غير أن أثر تلك الرحلة ظل حيًّا في داخلي.

صمتت الملكة لحظةً، ثم نظرت إليَّ وسألت:

— والآن يا ابنتي، إلى أين تتجهين لتستكملي المسير؟

أجبتها دون تردد:

— إلى بغداد.

تأملتني الملكة، ثم سألت:

— ولماذا بغداد؟

قلت:

— لأن بغداد تحمل في ذاكرتها إرثًا حضاريًّا جعلها ملتقى للعلم والثقافات، ومدينةً ارتبط اسمها بازدهار الفكر والترجمة. وفي قلب ذاكرتها يقف بيت الحكمة؛ واليوم يستعيد هذا الاسم حضوره من خلال مؤتمرٍ علمي يفتح أسئلة الحاضر على آفاق المستقبل.

أومأت الملكة برضا، بينما استقر القلم بين أصابعي، وكأنـــني وجدتُ أخيرًا ما يستحق أن أعود من أجله إلى الكتابة. فقد كانت وجهتي إلى بيت الحكمة هذه المرة مرتبطة بحدثٍ ينظمه قسم الدراسات الاجتماعية، تحت عنوان:

«التعليم والعمل وبناء المواطنة الفاعلة: تحديات الحاضر وآفاق المستقبل»

وهو المؤتمر العلمي الثاني عشر والدولي الرابع لقسم الدراسات الاجتماعية.

نظرتُ إلى القلم وقلت:

— يبدو أن هذا المؤتمر لا يطرح قضيةً أكاديمية فحسب، بل يفتح سؤالًا أوسع: أيَّ مواطنٍ نريد أن نبني؟ وكيف يمكن أن يصبح التعليم طريقًا إلى العمل، والعمل مجالًا للمشاركة والمسؤولية؟

رفع القلم رأسه وسأل:

— وما رؤية هذا المؤتمر ومحاوره؟

أجبته:

— تنطلق رؤيته من أن بناء المجتمعات يبدأ ببناء المواطن الفاعل، القادر على الإسهام في نهضة وطنه. وتتجسد هذه الرؤية في خمسة محاور متكاملة:

- المحور الأول: البعد التاريخي والفلسفي. يتناول تطور المفاهيم، والتأصيل التاريخي لقيم العمل في التراث العربي، والتجارب العالمية في التربية على المهارات الحياتية.

- المحور الثاني: التربية العربية. يناقش قضايا المرأة، ودور المناهج والتعليم المهني، والأبعاد المعرفية والوجدانية للمواطنة، وتكافؤ الفرص.

- المحور الثالث: الكفايات المطلوبة. يركز على الكفايات الاجتماعية والبيئية، والتربية على البحث العلمي، وتحديات التعليم والعمل عن بُعد.

- المحور الرابع: المواطنة والهوية. يبحث في قضايا الانتماء، والمقاربات الاقتصادية والاجتماعية، وأبعاد المواطنة الرقمية والعالمية.

تأطير قانوني

- المحور الخامس: التأطير القانوني. يتناول التعليم بوصفه حقًّا أصيلًا، والتشريعات المنظمة له، وحقوق المرأة والطفل في منظومتي التعليم والعمل.

صمت القلم قليلًا، ثم قال:

— الآن اتضحت الصورة؛ فالتعليم والعمل والمواطنة ليست قضايا منفصلة، بل حلقات متكاملة في بناء الإنسان.

ابتسمتُ والتفتُّ إلى الملكة سميراميس، التي كانت تتابعني بهدوء. ثم قالت:

— والآن، هل عرفتِ لماذا ستتجهين إلى بلاد الرافدين؟

أجبتها:

— نعم، لأنني أردتُ أن أعود إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية، لأرى كيف يواصل الحاضر ما بدأه الماضي…

وقريبًا، سنلتقي على أعتاب بيت الحكمة.


مشاهدات 50
الكاتب امال طرزان مصطفى
أضيف 2026/10/20 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 2:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 247 الشهر 40071 الكلي 16625240
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير