حين تصنع السياسة على موائد الطعام
ندين نبيل عبدالله ابوصالح
لم تعد السياسة تصنع في المكاتب الرسمية ولا تحت قبة البرلمان فقط، بل انتقلت إلى العزايم والبيوت والمجالس المغلقة، حيث تجتمع المصالح على مائدة واحدة، وتدار شؤون الوطن والمواطن بين لقمة وكلمة، وبعيدا عن عين القانون ومسمع الناس.
في تلك العزايم، يتكلمون في مواضيع سياسية تخص الوطن والمواطن بكل جرأة ووضوح، كأنهم أصحاب القرار وحدهم، وكأن الوطن ملك خاص يتقاسمونه فيما بينهم. تسمع الكلام يقال بكل ثقة، وقرار لم يعلن بعد يعرفه الحاضرون، وخبر لم ينشر بعد يتداولونه كأنه تحصيل حاصل، لأن المعلومة عندهم لا تأتي من الإعلام، بل من مصدر المصلحة نفسه.
وهناك، بين التآمر وتمرير المصالح، تطبخ الصفقات، وتوزع المنافع، وتدفع الرشاوى وتستلم تحت غطاء المجاملة والضيافة. يتفقون على التستر، هذا يغطي على ذاك، وذاك يمشي مصلحة هذا، حتى تتشابك الخيوط وتصبح الحقيقة ضائعة بين كبير يأكل الصغير، وصغير لا يجد من يسمع صوته.
أحيانا يختلفون ويتشاجرون، لا من أجل الوطن كما يدعون، بل من أجل الحصة والنصيب ومن يأخذ أكثر. فالخلاف بينهم ليس خلاف مبدأ، بل خلاف على تقسيم الغنيمة. فإذا اتفقت المصالح سكت الجميع، وإذا تعارضت ارتفعت الأصوات وانكشفت الوجوه الحقيقية.
أما المواطن، فهو الغائب الحاضر. يتكلمون باسمه، ويقررون عنه، ويدفع هو في النهاية ثمن كل تغيير وكل قرار وكل صفقة تعقد باسمه. التغيير الذي يفترض أن يخدمه صار يأكله، والقرارات التي يفترض أن تحميه صارت عبئا عليه، لأنه آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن.
الخطير في هذه الاجتماعات أنها لم تعد سرية كما كانت، بل صار الكلام فيها يقال علنا في البيوت والأماكن العامة، بكل ثقة وبلا خوف، كأن أصحابها مطمئنون أن لا حساب ولا مساءلة. وحين يصل الفساد إلى مرحلة العلن والثقة الزائدة، فاعلم أن الخطر لم يعد في الفعل نفسه، بل في غياب الرادع.
الوطن لا يبنى على موائد العزايم، ولا تدار مصالحه في المجالس المغلقة. الوطن يبنى بالقانون والمؤسسات والشفافية، وحين تتحول السياسة إلى عزومة، والمصلحة العامة إلى صفقة خاصة، يصبح المواطن هو الطبق الرئيسي على تلك المائدة.