الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هلْ ينتصرُ صوتُ العقلِ لوقفِ نزيفِ الدمِ العربيِ والإسلامي؟

← بواسطة azzaman

اجتماعُ طهرانَ بأهلِ حلفِ مكة: الرؤى والنتائجُ

هلْ ينتصرُ صوتُ العقلِ لوقفِ نزيفِ الدمِ العربيِ والإسلامي؟

محمدُ خضيرِ الأنباريِ

 

كلما اشتدَ النزاعُ في منطقتنا العربيةِ والإسلامية، وتوسعتْ دائرةُ المواجهةِ بينَ الأشقاءِ في اليمن، وبينَ السعوديةِ وصنعاءَ اليمن، وتداخلتْ المصالحُ الأمريكيةُ والإيرانيةُ في مساراتِ الصراع، ازدادتْ الحاجةُ إلى صوتِ العقلِ والحكمة، قبلَ أنْ تتحولَ الخلافاتُ السياسيةُ إلى حروبٍ مفتوحةٍ تأكلُ الأخضر واليابس، وتدفعُ الشعوب وحدها أثمانها الباهظة.

  إنَ ما يجري في أرضِ اليمن، أرض بلقيس، والحضارة العربية العريقة، ليسَ مجرد نزاعٍ على السلطةِ أوْ اختلافٍ في الرؤى السياسية، بلْ مأساةٍ إنسانيةٍ يدفعُ ثمنها شعبا عربيا مسلما، أنهكتهُ سنواتِ الحرب، وذاقَ مرارةَ القتلِ والتهجيرِ والجوعِ والدمار.

   أمامَ هذهِ الصورةِ المؤلمة، تبرزُ ضرورةْ التحركِ الجادِ لإيقافِ الحرب، وإعادةِ الأطرافِ المتنازعةِ إلى طاولةِ الحوار، قبلَ أنْ تتسعَ دائرةُ الصراع، وتدخلُ أطرافا جديدةً في مواجهةِ لا رابح فيها.

  منْ هنا تكتسبُ اللقاءات والتحركات الإقليمية، ومنها الاجتماع الذي يجمعُ ممثلي ما يعرفُ بحلفِ مكةَ معَ الجانبِ الإيرانيِ في طهران، أهمية خاصة إذا ما تحولتْ إلى مسارٍ حقيقيٍ للتهدئة، وفتحتْ أبواب التفاهمِ بينَ القوى المؤثرةِ في الأزمةِ اليمنية، فإيران طرف مؤثر في المشهدِ اليمني، والسعودية دولة محورية في المنطقة، كما أنَ لتركيا وباكستان أدوارا إقليميةً يمكنُ أنْ تسهمَ في دعمِ الحوارِ وخفضِ التصعيد.

   يبقى المعيارُ الحقيقيُ لنجاحِ أيِ اجتماعٍ هوَ ما يحققهُ منْ خطواتٍ عمليةٍ لوقفِ القتال، لا مجردَ ما يصدرُ عنهُ منْ تصريحاتٍ وبيانات. إنَ الذهابَ إلى مصدرِ التأثيرِ في الصراع، بحثَ عنْ مفتاحِ الحلِ ليسَ ضعفا، بلْ قدْ يكونُ شجاعة سياسية إذا كانَ الهدفُ إنقاذَ الأرواحِ وصيانةَ استقرارِ المنطقة، فالحروبُ لا تنتهي دائما بانتصارٍ عسكري، وإنما قدْ تنتهي حينَ يدركُ المتحاربونَ أنَ كلفةَ استمرارها أصبحتْ أكبرَ منْ كلفةِ التسوية، وأنَ دماءَ أبناءِ البلدِ الواحدِ لا يمكنُ أنْ تكونَ ثمنا دائما للخلافاتِ السياسيةِ والمصالحِ الخارجية.

   قبلَ أنْ تتسعَ دائرةُ المواجهة، أوْ تنخرطُ مصرُ الشقيقةُ في جبال ووديان اليمن، بما تمثلهُ منْ ثقلٍ عربيٍ وتاريخي، في أيِ صراعٍ عسكريٍ جديدٍ يضعها في مواجهةِ أبناءِ الشعبِ اليمني، ينبغي أنْ تتقدمَ المبادراتُ الدبلوماسية، وأنْ تتاحَ الفرصةُ للوساطاتِ الإقليمية، وأنْ يكونَ الحلُ السياسيُ هوَ الخيارَ الأول.

    إنَ مصرَ التي عرفتْ قيمةَ الاستقرارِ العربي، والمنطقةِ التي عانتْ طويلاً منْ الحروب، أحوج ما تكونُ إلى مساراتٍ تحفظُ الدماء، وتعيدُ بناءَ الثقةِ بينَ الأشقاء، وليسَ خافيا أنَ القوى الدوليةَ تتداخلُ في أزماتِ المنطقةِ وفقا لمصالحها وحساباتها الاستراتيجية، وأنَ الولاياتِ المتحدةَ تؤدي دورا مؤثرا في ملفاتِ الشرقِ الأوسط، بينما تتشابكُ في اليمنِ مصالحُ إقليميةٌ ودوليةٌ معقدة. قدْ يرى كثيرٌ أنَ استمرارَ الصراعاتِ يخدمُ أطرافا خارجية، فيما تتحملُ الشعوبُ العربيةُ والإسلاميةُ الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية، ومنْ حقِ شعوبِ المنطقةِ أنْ تتساءل:

 إلى متى تبقى أراضيها ساحات لتصفيةِ الحسابات، وإلى متى تظلُ دماءُ أبنائها وقودا لصراعاتٍ لا تنتهي؟

  في المقابل، لا يمكنُ إغفالٌ أنَ إنهاءَ الحربِ يتطلبُ معالجةَ أسبابِ النزاعِ الداخليةِ أيضا، واحترامَ إرادةِ اليمنيين، وضمانِ مشاركتهمْ في تقريرِ مستقبلِ بلادهم، بعيدا عنْ الإملاءاتِ الخارجيةِ أوْ فرض الحلولِ بالقوة، فالحلُ الدائمُ لا يتحققُ بمجردِ تفاهمِ القوى الإقليمية، بلْ يحتاجُ إلى تسويةٍ سياسيةٍ عادلة، وضمانات أمنية، وإجراءات إنسانية عاجلة، وإعادةْ إعمارِ ما دمرتهُ الحرب.

لعلَ منْ أكثرَ ما يبعثُ على الأملِ أنَ قطاعاتٍ منْ الشعوب، ومنها قطاعات منْ الشعبِ الأمريكي، تعبرُ عنْ رفضها للحروبِ الخارجيةِ الطويلةِ وتكاليفها البشرية والمالية.

   لقدْ تركتْ تجاربُ فيتنام وأفغانستان والعراقِ دروسا قاسيةً بشأنِ حدودِ القوةِ العسكرية الأمريكية، وصعوبةِ بناءِ الاستقرارِ بالقوةِ وحدها، فالتاريخُ يذكرنا بأنَ التفوقَ العسكريَ لا يكفي، بمفرده، لصناعةِ سلامٍ مستدام. وحدةُ المسلمينَ أمانةٌ دينيةٌ وإنسانيةٌ إنَ ديننا الإسلاميَ لمْ يجعلْ الاختلافَ مبررا للعداوةِ الدائمة، ولمْ يجعلْ القوة غاية في ذاتها، بلْ دعا إلى الاعتصامِ والوحدةِ والإصلاحِ بينَ المتخاصمين.

    يقولُ الله- سبحانهُ وتعالى- في كتابهِ الكريم: (واعتصموا بحبلِ اللهِ جميعا ولا تفرقوا) سورةْ آلِ عمران، الآية 103. ويقولُ تعالى في شأنِ الاقتتالِ بينَ المؤمنين: (إنما المؤمنونَ إخوة فأصلحوا بينَ أخويكمْ واتقوا اللهَ لعلكمْ ترحمون) سورةْ الحجرات، الآية 10. وهاتانِ الآيتانِ تضعانِ أمامَ المسلمينَ مسؤولية واضحة؛ الأخوة لا ينبغي أنْ تبقى شعارا يرفعُ في المناسبات، بلْ يجبُ أنْ تتحولَ إلى سلوكٍ سياسيٍ وأخلاقي، وإلى مبادراتٍ تمنعُ سفكَ الدماء، وتعيدُ المتخاصمينَ إلى طريقِ التفاهم.

     في الحديثِ النبويِ الشريف، قالَ رسولُ اللهِ محمد؟ : (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقرهُ ) ، فإذا كانَ الإسلامُ ينهى عنْ ظلمِ المسلمِ وخذلانه، فكيفَ يمكنُ أنْ نقبلَ أنْ يتحولَ أبناءُ الأمةِ الواحدةُ إلى خصومٍ في حروبٍ طويلة، وأنْ يصبحَ الجوعُ والتشريدُ والخوفُ مصيرَ ملايينِ الأبرياء؟ إنَ الأخوةَ الإسلامية، ليستْ دعوةً إلى تجاهلِ الخلافات، بلْ دعوةٍ إلى إدارتها بالحكمةِ والعدل، ومنع تحولها إلى دماءٍ وتاراتٍ وأحقادٍ تتوارثها الأجيال.

تتأملُ شعوبُ المنطقة، النتائجَ المنتظرة، في أنَ الأملَ منْ اجتماعِ طهرانَ لا ينبغي أنْ يقتصرَ على إصدارِ بيانٍ دبلوماسي، بلْ إنَ يفضي إلى خطواتٍ ملموسة، في مقدمتها وقفُ التصعيد، ودعمُ هدنةٍ قابلةٍ للاستمرار، وتسهيلُ وصولِ المساعداتِ الإنسانية، وتهيئة حوار يمنيّ شامل، والعمل على ضمانِ أمنِ دولِ المنطقةِ واحترامِ سيادتها. إنَ نجاحَ أيِ مسارٍ إقليميٍ يتطلبُ الابتعادَ عنْ سياسةِ المحاور، وعدمِ التعاملِ معَ الأزماتِ بمنطقِ المنتصرِ والمهزوم، لأنَ الاستقرارَ الحقيقيَ لا يقومُ على إخضاعِ طرفٍ لطرفٍ آخر، بلْ على تسويةٍ تحفظُ الحقوق وتمنعُ تجددَ الصراع، وينبغي أنْ تكونَ المصالحُ العربيةُ والإسلاميةُ المشتركةُ مقدمةً على الحساباتِ الضيقة، وأنْ تتراجعَ لغةُ التهديدِ أمامَ لغةِ التفاهم.

   أما الكيانُ الصهيوني، الذي تنظرُ إليهِ أطرافٌ إقليميةٌ بوصفهِ مستفيدا منْ الانقساماتِ والصراعاتِ العربية، فإنَ استمرارَ النزاعاتِ داخلَ المنطقةِ يضعفُ فرصَ التعاون، ويستنزفُ طاقاتِ شعوبها، لذلك، فإنَ حمايةَ المنطقةِ منْ الحروبِ الداخلية، وتعزيزِ التعاونِ بينَ دولها يخدمانِ مصلحةَ شعوبها، ويمنحانها قدرة أكبر على مواجهةِ تحدياتها السياسيةِ والاقتصاديةِ والأمنية.

   تتطلع شعوب المنطقة، إلى أنْ يكونَ اجتماعُ طهرانَ بدايةَ طريق، لا محطةً عابرة؛ وأنْ تكونَ نتائجهُ جسرا للسلام، لا مجردَ هدنةٍ مؤقتةٍ تسبقُ جولةً جديدةً منْ القتال، فاليمنُ لا يحتاجُ إلى مزيدٍ منْ السلاح، بلْ إلى دولةٍ تستوعبُ أبناءها، وسياسةْ تجمع، ولا تفرق، وإرادةٍ وطنيةٍ تحررَ القرار منْ التبعيةِ والتجاذباتِ الخارجية.

لقدْ دفعتْ منطقتنا وشعوبها، ثمنا باهظا منْ دماءِ أبنائها، وأموالها واستقرارها، وحانَ الوقت؛ لأنْ تتعلمَ منْ تجاربها، وأنْ تدركَ أنَ الحروبَ مهما طالَ أمدها لا تستطيعُ أنْ تمنحَ الشعوب أمنا دائما. أما السلام، إذا تأسسَ على العدلِ والحوارِ واحترام إرادةِ الشعوب، فيستطيعُ أنْ يفتحَ أبوابَ المستقبلِ أمامَ أجيالٍ سئمتْ الخوف والفقدان.

   يا أهلَ الحكمةِ والعقل، ويا قادةَ العربِ والمسلمين: اجعلوا منْ طهرانَ فرصة لإطفاءِ النار، لا لإعادةِ توزيعِ وقودها. أوقفوا نزيفَ الدمِ بينَ الأشقاء، وصونوا اليمنَ وأهله، واحموا المنطقةَ منْ حربٍ جديدة. فالأوطانُ لا تبنى بجثامينِ أبنائها، والأخوة لا تصانُ بالصواريخ، والتاريخِ لا يخلدُ منْ طالَ الحرب بقدرِ ما يخلدُ منْ امتلكَ الشجاعة؛ ليصنعْ السلام.


مشاهدات 86
الكاتب محمدُ خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/10/27 - 2:14 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 2:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 56059 الكلي 16641228
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير