الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جلال الدين الرومي في الغموض والمعنى

← بواسطة azzaman

جلال الدين الرومي في الغموض والمعنى

عبد الحسين شعبان

 

ظلّت حياة جلال الدين الرومي مليئةً بالغموض بقدر اكتنازها بالمعاني. وعلى الرغم من مرور أكثر من 750 عاماً على وفاته، إلّا أنّ حياته المليئة بالأحداث لم يُكشف عنها حتى الآن، بل إنها صارت في كثير من الأحيان عرضةً لتكهنات الباحثين وتقديرات المنشغلين بأدب الرومي، لا سيّما الصور التي رسمها عن نفسه وعن توأم روحه شمس الدّين التّبريزي.

وما تزال كتب جلال الدين الرومي الأكثر مبيعاً في الغرب، بل إنها الأكثر اقبالًا من غيرها، بصفته شاعر الحب الصوفي، الذي ولد في العام 1207 (القرن الثالث عشر) في بلاد فارس، وقيل أن نسبه يمتد إلى أبي بكر الصّدّيق . تمتاز شخصية الرومي بسحر وجاذبية باهرتين، وخصوصًا قدرته في تقديم طبق الحكمة مُدافًا بلغة وأسلوب شفيف، وقد عُرف الرومي كذلك فقيهًا، بل إنه برع في الفقه والعلوم الإسلامية.

وترك اللقاء بينه وبين شمس التبريزي أعظم الأثر في حياته الأدبية والروحانية وحصل ذلك في قونية (تركيا) وهو المكان الذي يعتبر مزارًا لقبر الرومي وقدّر لي زيارته. وقدانصرف الرومي بعد اللقاء التاريخي بشمس (الذي استمرّ عامين ونصف العام) إلى التصوّف بعد مرحلة التدريس، وإلى الشعر، وعُرفت طريقته بـ «المولوية» التي تجمع الموسيقى بالحركة الرياضية التي هي أقرب إلى الرقص الروحاني. وكانت قمّة شاعريته المثنوي التي استخدم فيها الحكاية باتقان منقطع النظير وحركة بارعة بتدفق وانسياب وأسلوب جذّاب ولغة متميزة.

لا يكفي إنك تزور مقام الرومي في قونية، ولا يكفي أن تتبع مسيرته من بلاد فارس حيث عاصرت عائلته الاحتلال المغولي لمنطقته، فهجرت موطنها لتستقر في قونية. وكان قد قضى أربع سنوات في دمشق؛ كما لا يكفي أن تقرأ أشعاره بما فيها ديوان «شمس تبريز»، الذي اشتمل على غزليات صوفية، وهو يحتوي على 36.023 بيتاً، إضافة إلى 1760 رباعية، ومجموعات من رسائله الموجهة إلى شيخه التبريزي الذي يكبره بنحو 30 عاماً، وكان هو في سن الثلاثين؛ وهي علاقته بين الشيخ والمريد، والتي ظلّ وفيًّا لها حتى بلغ السبعين، وهو القائل «الوداع لا يقع إلّا لمن يعشق بعينيه، أما ذاك الذي يحب بروحه وقلبه فلا انفصال أبداً».

فرقة الدراويش

ولا تكتمل صورة الرومي إلّا حين تحضر «فرقة الدراويش» في اسطنبول، حتى تشعر أنك شديد الانغماس، فخلال ساعة واحدة فقط ومن خلال البصيرة الذكية والوضوح، وهما الذي حاول التبريزي غرسهما بتلميذه الرومي، بحيث أصبحت المادة الخام لشعر الرومي، الذي لا ينفصل  عن الإندغام بروح التبريزي.

يقول الرومي تعبيرًا عن الانفصام والغياب والعذاب بسبب فداحة العزلة بعد مغادرة شمس «لقد انقسمت حياتي كلّها إلى ثلاث كلمات: «كنت نيئاً فنضجت ثم احترقت». وقد تحوّل حزنه إلى رقصة دوّارة حاول فيها إعادة خلق التواصل مع شمس في رقصة صوفية تقدمها اليوم فرقة الدراويش بطريقة دوران تأملي تشكّل مصدر طاقته ومصدر إلهامه، بل مصدر إلهام الصوفيين.

هكذا يصبح الإنسان على الرغم من من كونه مفرداً مجموعاً، وهو القائل: «عندما تضيء المصباح الخاص بك، فأنت لست فرداً، بل الآلاف».

لاحظت أن آلاف الزوار يتوافدون على قبر الرومي، بعضهم قرويون وآخرون مريدون، وهؤلاء يتعاملون معه بصفته «الولي الصالح» وكانوا يطلبون «المراد» و»الشفاعة» لدى الخالق عبره. وبعضهم الآخر طلبة، ومنهم من محبي الشعر والباحثين عن المعنى، وهؤلاء يتعاملون معه كأديب وشاعر صوفي وروحاني خارج دوائر الدين ، مثلما هناك سواحٌ ثقافيون من مختلف بلدان العالم.

يمنحك شعر الرومي سلامًا داخليًا وابتهاجًا بالحياة، وهما أساسان لحب شامل، والحب هو الذي ينمّ عن رضا حقيقي وعميق وعاطفة جيّاشة وتطهّر نفسي، فقد اندمج الرومي بجوهر الحياة عبر الوفاء الداخلي والسلام الروحي.

ومن الصفات التي أُطلقت عليه «مولانا» و»سلطان العارفين» و»سلطان العلماء»، وعن ولادته كانت في مدينة بلخ (خراسان)، وفي فتوته  اجتاز نيسابور وبغداد والحجاز والري وكانت تلك الولادة الأولى التي انتهت عند اللقاء بشمس التبريزي.

أنا مولود للعشق في هذه اللحظة

أنا زائدٌ على نفسي

لأنني ولدت مرتين!

هكذا كان العرفان العشقي، من العزلة إلى العشق الإلهي الذي اتّسم بالوجد والوله والصبابة والحب والعشق، فذلك هو منهج جلال الدين الرومي في التصوف وصولاً إلى مدارك الكمال.

 


مشاهدات 99
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/10/27 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 2:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 56059 الكلي 16641228
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير