الثورة والثروة... مرثية عراقية
قتيبة آل غصيبة
في خِضَمّ الحرب التي خاضها الفيتناميون ضد الفرنسيين ثم الأمريكيين، وبعد عقود من التضحيات التي أزهقت فيها الملايين من الأرواح في سبيل التحرر والاستقلال، وقف "الجنرال فو نغوين جياب؛ ت:٢٠١٣"؛ (مهندس النصر ضد الاحتلال الفرنسي وإجبارهم على الانسحاب من فيتنام بعد محاصرته للقوات الفرنسية وتهديده بالقضاء عليها في قاعدة "ديان بيان فو" عام 1٩٥٤) ، أمام مشهد لم يكن يتوقعه: بعض قادة الفصائل الثورية في أحد الشعوب الحليفة، ممن رفعوا شعارات النضال والتحرير، وقد أحاطوا أنفسهم بمظاهر الترف والبذخ، وكأن الثورة التي زعموا حملها كانت مجرد جسر عبروا عليه إلى الثراء لا إلى الخلاص، فقال جملته التي تختصر فلسفة كل ثورة نقية: "إن الثورة والثروة لا تلتقيان". كلمة موجزة، لكنها تحمل في طياتها معيارًا أخلاقيًا صارمًا يفصل بين المناضل الحقيقي والمنتحل، بين من يبذل ذاته فداءً لشعبه؛ ومن يتخذ من دماء الشعب سُلّمًا يرتقي به إلى القصور.
وحين يستحضر المرء هذه الواقعة اليوم؛ وهو ينظر إلى حال العراق؛ تنتابه غصّة لا تُقاوَم، فهذا البلد الذي أنجب حضارات الرافدين، وحمل على كاهله إرث سومر وبابل وآشور والحضارة الإسلامية ، وقدّم عبر تاريخه المعاصر أثمانًا باهظة من دماء أبنائه؛ هو اليوم أشبه بمرآة معكوسة لتلك المقولة الفيتنامية، فقد خاض العراقيون حروبًا متعاقبة؛ وذاقوا مرارة الحصار؛ وانتفضوا مرارًا؛ وقاوموا احتلالًا؛ وواجهوا إرهابًا فتّاكًا حصد من شبابهم أزكى الدماء، ثم جاء من يرفع راية "المقاومة" و"الجهاد" ليقطف ثمار تلك التضحيات وحده؛ تاركًا الشعب الذي قُدِّمت باسمه كل تلك القرابين غارقًا في العَوَز والانكسار.
فالمفارقة المؤلمة أن من كان بالأمس القريب يتحدث بلغة الشهادة والفداء؛ ويتوعد الطغاة والمحتلين؛ أصبح اليوم يمتلك القصور الفارهة والأساطيل من السيارات؛ ويحصّن ثروته في المصارف والعقارات، بينما يقف أبناء الشعب ذاته في طوابير الفقر؛ يبحثون عن كهرباء تنقطع؛ وماء يتلوّث؛ وخدمات غائبة؛ وفرصة عمل لا تجيء، فقد تحوّل شعار "المقاومة" عند طائفة من هؤلاء إلى بضاعة رائجة، يُتاجَر بها في المزادات السياسية؛ ويُستدَرّ بها الريع؛ ويُستَخدم اسمها غطاءً لأعمال السلب والابتزاز والاستحواذ على مقدرات الدولة، وما أشبه هذا بما حذّر منه جياب، حين رأى الثورة تتحول عند بعضهم إلى مطية للثروة، لا مشروعًا لتحرير الإنسان وكرامته.
والحقيقة أن العراق، بتاريخه الطويل من الفجائع، يستحق مقاومة حقيقية لا تتاجر بآلامه؛ وجهادًا صادقًا لا يتّخذ من قدسية الكلمة ستارًا لنهب المال العام، فالمجاهد الحق؛ كما عرفته الأمة عبر تاريخها؛ هو من يزهد فيما في أيدي الناس طمعًا فيما عند الله؛ لا من يوظف الشعارات الدينية والوطنية وسيلة لتكديس الثروات وتوريثها للأبناء والأحفاد، وحين ينقلب المعنى على هذا النحو، يفقد الجهاد قداسته؛ وتفقد المقاومة مصداقيتها؛ ويصبح الشعب الذي يُستَغَل باسمهما ضحية مزدوجة: "ضحية للاستبداد الذي قاوَمَه بالأمس؛ وضحية لمن ادّعى تحريره اليوم."
إن المأساة الحقيقية ليست في الفقر وحده، فالفقر يمكن أن يُحتَمل إذا صاحبته كرامة وعدالة، بل في أن يرى الناس بأم أعينهم كيف تحولت دماء شهدائهم إلى رأسمال يُستثمَر في مشاريع خاصة؛ وكيف أصبحت قضاياهم العادلة سلعة تُباع وتُشترى في بورصات النفوذ، وحين يتأمل المرء في مسيرة العراق منذ التغيير، يجد أن كثيرًا ممن تصدّروا المشهد باسم المقاومة والجهاد لم يكونوا في الحقيقة سوى تجّار أزمات؛ استثمروا في معاناة الناس؛ وتحصّنوا خلف شعارات لا يؤمنون بجوهرها؛ بل يوظفونها توظيفًا نفعيًا بحتًا، تمامًا كما رأى جياب أولئك القادة الذين نسوا أن الثورة تكليف لا تشريف، وأن من يخلط بين قداسة القضية ومصلحته الشخصية إنما يخون القضية قبل أن يخون شعبه.
وإذا كان جياب، وهو ابن ثقافة أخرى وتجربة أخرى، قد أدرك بحسّه الثوري النقي هذا التناقض الصارخ بين الثورة والثروة، فحريّ بأبناء العراق أن يستعيدوا هذا الوعي، وأن يميّزوا بين من يستحق لقب المجاهد والمقاوم حقًا؛ وبين من ارتدى عباءته زورًا وبهتانًا، فالعراق لا ينقصه من يرفع الشعارات؛ بل ينقصه من يجسّدها فعلًا وسلوكًا وزهدًا؛ ينقصه من يضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الخاصة؛ ويرى في خدمة الناس غاية لا وسيلة، فلعل في استحضار تلك المقولة الفيتنامية القديمة موعظة بليغة لهذا الزمن العراقي المثقل بالخيبات: "أن الثورة، إذا صدقت؛ أَفنَت صاحبها في سبيل قضيته؛ ولم تُثرِه على حساب دماء إخوانه؛ وأن كل من جمع بين ادّعاء المقاومة وتكديس الثروة، فقد كذب على التاريخ قبل أن يكذب على شعبه."
ويستوقفني هنا قول الله تعالى في سورة التوبة؛ الآية ٣٤ إذ يقول سبحانه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾...
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنه فقد توفي ودرعه مرهونة مقابل عشرون صاع شعير وكان بإمكانه ان يملك الدنيا وما فيها...
وقد صدق المتنبي حين قال:
فَحُبُّ الجَبانِ النَفسَ أَورَدَهُ البَقا.... وَحُبُّ الشُجاعِ النَفسَ أَورَدَهُ الحَربا.
وَيَختَلِفُ الرِزقانِ وَالفِعلُ واحِدٌ... إِلى أَن تَرى إِحسانَ هَذا لِذا ذَنبا.
والله المستعان....