الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من ذاكرة الرمادي.. أمي تحملني إلى قمة شاهقة

بواسطة azzaman

من ذاكرة الرمادي.. أمي تحملني إلى قمة شاهقة

علي جاسم

 

وأنا صغير في بداية تسعينيات القرن الماضي، لم يكن عمري يتجاوز الثامنة، اصطحبني والدي من أقصى جنوب مدينة الرمادي، من بيتنا في منطقة «الإسكان الجديدة»، إلى وسط المدينة، إلى منطقة «القطانة»، أقدم أحياء الرمادي ومركزها الذي كان يحتفظ حتى ذلك الوقت بكثير من ملامح المدينة القديمة.

كانت «الإسكان الجديدة» مجموعة من البيوت الصغيرة جدًا، التي بنتها الدولة ودعمتها للموظفين، ولم يكن البيت يتجاوز غرفتين وصالة بمساحة محدودة جدًا؛ حتى إنني كنت أراه، بعين طفل، أقرب إلى السجن منه إلى البيت.

أما في القطانة، فكان كل شيء مختلفًا.

هناك كان بيت جدي، في شارع «مكينة الچلبي»، نسبة إلى المكينة الصغيرة التي كانت تجمد الماء وتحوله إلى ألواح من الثلج. عرفت يومها أن البيت القريب من المكينة كان بيت جدي لأبي، «محمد خليفة أفندي»، الذي عمل موظفًا في صحة الأنبار، بعد أن جاء من ريف السجارية، أقرب قرى الرمادي إلى المدينة.

كانوا قد باعوا البيت القديم واشتروا بيتًا آخر في الشارع نفسه، لكنه كان من طابقين، وبمواصفات تبدو لي، وأنا طفل، عالية جدًا قياسًا إلى بيتنا في الإسكان.

أذكر دهشتي من كل شيء.

من حركة السوق والناس، ومن اتساع البيت، ومن كلمة «باجي» التي كانت تُقال لعمتي شقيقة والدي، ومن بلاط الأرض «الكاشي» الذي كان يلمع، ومن رائحة رز العنبر التي كانت تفوح من المطبخ الواقع في نهاية المنزل.

ثم ننتقل إلى الاستقبال؛ رائحة البخور، والقنفات الخشبية، والطبلات الصغيرة التي كان يجتمع حولها أهل البيت لتناول الطعام.

لكن أكثر ما شدني كان في الطابق العلوي.

كانت هناك صحف فاخرة، بأوراقها وألوانها وعناوينها الحمراء الكبيرة، تركت في نفسي أثرًا غريبًا لا أستطيع تفسيره آنذاك. كان ابن عمي، الذي يسكن في المنصور ببغداد، يأتي بها معه في زياراته إلى الرمادي؛ «الجمهورية»، و«القادسية»، و«البعث الرياضي» وغيرها.

لم أكن أعرف يومها أن رائحة الورق تلك ستبقى معي سنوات طويلة، وأن تلك العناوين الكبيرة ستقودني، بطريقة لم أكن أتصورها، إلى الصحافة.

ثم صعدت مع والدي إلى سطح المنزل.

ومن هناك رأيت الرمادي من الأعلى.

كانت المدينة يومها أقل ازدحامًا، ولم تكن الإنشاءات قد بدأت تتسع كما ستتسع لاحقًا. بدت لي، وأنا في الثامنة، مدينة مختلفة؛ عمارات وأبنية ومآذن، وحركة أسواق، ورائحة الخبز والصمون تتصاعد من المنطقة التي كان البيت فيها يقع تقريبًا وسط السوق.

كنت أراها من أعلى، وأشعر أنني اكتشفت مدينة جديدة.

لم أكن أملك يومها وعيًا كافيًا لأفهم معنى المكان، ولا معنى المدينة، ولا معنى أن يصعد طفل إلى سطح بيت فيرى العالم من زاوية أخرى.

لكن تلك الصورة بقيت.

ولم تدم صحبتي لوالدي طويلًا؛ فقد توفي وأنا في الثانية عشرة تقريبًا.

وبقيت أفتقده كثيرًا.

ظل بيت جدي، بما كان يمثله لي من اتساع وتحضر وتآزر عائلي، أول قمة أصعد إليها في طفولتي.

ثم حملتني أمي إلى قمة أخرى؛ قمة شاهقة في الجمال والإيثار والصبر.

وبقيت أنا بين القمتين: قمة صنعتها ذاكرة الأب والجد والبيت والمدينة، وقمة صنعتها أم حملت عني الكثير ومضت بي إلى الأمام.

وربما لهذا السبب، حين تبلورت شخصيتي لاحقًا، وجدت نفسي أبحث عن مكان آخر أرى منه العالم من الأعلى؛ فكانت الصحافة.

فالصحيفة التي أدهشتني وأنا طفل لم تعد مجرد أوراق ملونة وعناوين حمراء، بل أصبحت وسيلة لفهم المدينة، وتسجيل أحداثها، والاقتراب من الناس، ومحاولة قراءة التاريخ وهو يتشكل أمامنا.

لم أكن أعرف، وأنا في الثامنة، أن تلك الصحف التي رأيتها فوق سطح بيت جدي ستصبح يومًا جزءًا من حياتي.

ولم أكن أعرف أن القمة التي صعدتها مع والدي ستبقى في داخلي طويلًا.

كل ما أعرفه الآن أنني كلما كتبت في صحيفة، أو أمسكت ورقة تحمل عنوانًا كبيرًا، يعود إليّ ذلك الطفل الصغير؛ يقف في الطابق العلوي من بيت جده، ينظر إلى الرمادي من فوق، ويبحث عن والده.

رحم الله أبي، ورحم الله من رحلوا من أهلنا، وحفظ الله أمي التي كانت، وما زالت، أعلى القمم.

وشكراً لمن سعى ويسعى لإبقاء الصحف تصدر وتوثق ..


مشاهدات 32
الكاتب علي جاسم
أضيف 2026/09/19 - 12:52 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 31373 الكلي 16563893
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير