الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من ميسان الى السعودية.. ماذا تكشف مسيّرة النفط عبر سماء العراق؟

بواسطة azzaman

من ميسان الى السعودية.. ماذا تكشف مسيّرة النفط عبر سماء العراق؟

علاء العاني

 

لم تعد الطائرات المسيّرة سلاحاً هامشياً في حروب المنطقة. فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أداة قادرة على اختراق الحدود واستهداف منشآت استراتيجية، بكلفة محدودة مقارنة بالأسلحة التقليدية، وبقدرة متزايدة على التخفي والمناورة والوصول إلى أهداف بعيدة.

ومن هنا، فإن الهجوم الأخير على خط النفط السعودي، الذي أعلنت الرياض وبغداد أن المسيّرات المستخدمة فيه انطلقت من الأراضي العراقية، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثاً أمنياً عابراً، بل باعتباره تطوراً يضع أمام العراق والمنطقة مجموعة من الأسئلة السياسية والأمنية والتقنية التي لا يمكن تجاهلها.

خط الشرق–الغرب السعودي ليس منشأة نفطية عادية؛ فهو يمتد لنحو 1200 كيلومتر، وتبلغ طاقته التصميمية نحو سبعة ملايين برميل يومياً، ويشكل أحد أهم مسارات نقل النفط السعودي إلى ساحل البحر الأحمر. ولذلك فإن استهدافه يحمل، إلى جانب البعد العسكري، أبعاداً اقتصادية واستراتيجية تتجاوز موقع الإصابة نفسه. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في العراق ليس فقط: من أطلق المسيّرات؟ بل كيف أمكن تنفيذ العملية أصلاً؟

وبعد أن أكدت السلطات العراقية والسعودية أن المسيّرات المستخدمة في الهجوم انطلقت من الأراضي العراقية، فإننا أمام عملية تتطلب قدراً من التخطيط والاستطلاع والمعلومات التقنية. فالوصول إلى منشأة محددة في مساحة جغرافية شاسعة ليس مسألة حظ؛ هناك هدف ينبغي تحديده، وإحداثيات ينبغي الحصول عليها، ومسار ينبغي اختياره، ووسيلة ينبغي تجهيزها، ثم عملية إطلاق ومتابعة وتنفيذ.

هل امتلكت الجهة المنفذة هذه القدرات بنفسها؟ أم حصلت على بعضها من طرف آخر؟ وهل المعلومات المستخدمة في تحديد الهدف جاءت من مصادر محلية، أم من وسائل استطلاع أكثر تطوراً؟

إذا كانت العملية قد انطلقت من العراق وقطعت هذه المسافة، فأين كانت منظومات الإنذار المبكر؟

امن اقليمي

هذا التساؤل لا يخص السعودية وحدها. فالمنشآت النفطية الكبرى في المنطقة تقع ضمن حسابات الأمن الإقليمي والدولي، والدول التي ترتبط بعلاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع السعودية تمتلك قدرات متقدمة في الرصد والاستطلاع والإنذار المبكر.

ولذلك فإن تسمية الجهة التي تقف خلف العملية قد يكون أقل أهمية من دراسة القدرة التي جعلت العملية ممكنة. فهناك فارق كبير بين معرفة المكان الذي انطلقت منه المسيّرات، ومعرفة الجهة التي خططت للعملية ومولتها وجهزتها وحددت هدفها.

فقد تكون الطائرة من تصنيع جهة، والمكونات من جهة أخرى، والمعلومات الاستخبارية من مصدر ثالث، بينما يتولى التنفيذ طرف موجود على الأرض. وهذه إحدى سمات الحروب الحديثة التي لم تعد فيها الحدود بين “المحلي” والخارجي” واضحة كما كانت في السابق.

فالعراق الذي أعلن رسمياً رفض استخدام أراضيه للاعتداء على دول الجوار، والذي سارعت حكومته إلى التحقيق واتخاذ إجراءات أمنية بعد تأكيد انطلاق الهجمات من داخل محافظة ميسان واقالة قائد عمليات ميسان، يجد نفسه أمام اختبار حقيقي لسيادته، وليس أمام قضية أمنية عابرة.

السيادة لا تعني فقط أن نرفض أن تكون أراضينا ساحة حرب، وإنما تعني أيضاً أن نعرف من يتحرك فوق أراضينا، ومن يطلق منها، وإلى أين يتجه.

وهذه الحادثة ينبغي أن تكون مناسبة لفتح نقاش عراقي جاد حول أمن المجال الجوي، وضبط السلاح، ومراقبة الحدود، وقدرة الدولة على معرفة ما يجري في المناطق التي يفترض أنها خاضعة لسلطتها ويضع بغداد امام مسؤولية مزدوجة، مسؤولية حماية امن العراق ومسؤولية منع تحويل الأراضي العراقية الى منصة لصراعات الاخرين.

قدرة فعلية

فإذا كان العراق يريد أن يحمي نفسه من أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، فإن امتلاك الدولة وحدها قرار الحرب والسلم لا ينبغي أن يبقى شعاراً سياسياً، بل يجب أن يتحول إلى قدرة فعلية على الأرض وفي السماء.

والأخطر أن التطور المتسارع في تكنولوجيا المسيّرات يجعل هذه المهمة أكثر تعقيداً. فما كان يحتاج في السابق إلى طائرات مقاتلة ومنظومات صاروخية معقدة، يمكن اليوم تنفيذه بواسطة منظومات أقل كلفة، لكنها قادرة على التخفي والمناورة والوصول إلى أهداف بعيدة. لذلك لا ينبغي أن تنتهي قصة مسيّرات النفط عند بيان إدانة أو تشكيل لجنة تحقيق.

المطلوب أن تكون الحادثة مناسبة لإعادة طرح ملف أمن المجال الجوي العراقي، وضبط الحدود، والسيطرة على السلاح خارج مؤسسات الدولة، وأن تجيب التحقيقات بوضوح عن ثلاثة أسئلة أساسية:

من أطلق؟ ومن خطط؟ ومن وفّر القدرة على الوصول إلى الهدف؟

قد يكون الوصول إلى الإجابة الأولى ممكناً، لكن الإجابة عن السؤالين الآخرين هي التي ستكشف حقيقة ما حدث. فالمسألة في جوهرها ليست أنبوباً سعودياً تعرض لهجوم، ولا مسيّرات عبرت الحدود.

المسألة أن منطقة الشرق الأوسط تدخل مرحلة جديدة من الصراع، أصبحت فيها التكنولوجيا قادرة على نقل الخطر عبر الحدود بسرعة ودقة، بينما تظل سيادة الدول هي الحلقة التي يُختبر عندها كل شيء.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً في العراق ليس فقط: من أين جاءت المسيّرات؟

بل من يملك القرار عندما تنطلق من أرض العراق؟

فهنا تبدأ قصة السيادة الحقيقية..

 


مشاهدات 45
الكاتب علاء العاني
أضيف 2026/09/19 - 12:28 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 31360 الكلي 16563880
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير