همسات ساخنة .. ومضات هادئة
المسيحيون جزء أصيل من ذاكرة الموصل وروحها
لويس إقليمس
في المسيرة الشبابية الباغديدية العراقية المسيحية (نسبةً إلى بلدة بغديدا- قره قوش- مركز قضاء الحمدانية) التي احتضنتها مدينة الموصل يوم الجمعة 11 من أيلول 2026، والتي شارك فيها أكثر من 700 شاب وفتاة تحت رعاية رئيس أساقفة كنيسة السريان الكاثوليك وكهنتها الشباب الغيورين، أثبتوا جميعًا حبّهم الصادق لمدينة “الحدباء” وانتماءَهم الأصيل للوطن، فعلاً ووجدانًا وليس قولاً وشعارًا. والأجمل استقبالُهم بكلّ حرارة وعفوية وحنين من قبل أهالي الموصل حين مرورهم في شوارعها وأزقتها العتيقة وعوجاتها وقناطرها التي تحكي كلٌّ منها قصةً بل قصصًا كثيرة للتعايش والتخادم وتقاسم الخبز والملح حين مسيرة الشباب وتجوالهم بهتافات جميلة مسالمة وتراتيل وأغاني عادت بهم إلى تراث هذه المدينة العريقة بفخر واعتزاز كبيرين لا مثيل لهما. في هذه المسيرة التي حملت معها دلالات ومعاني الانتماء الحقيقي للأرض والوطن، شعر كلّ مواطن أو متفرّج او متابع بما يرفع درجات الشعور الوجدانيّ والحنين إلى ماضي هذه المدينة التاريخية وحضارتها الآشورية الجبارة التي ما يزال جزءٌ أصيلٌ من ناسها ومريديها يتفاخر بذلك الزمن الجميل الذي يحكي في كلّ خطوة حكاياتٍ عتيقة ويُذكّر بلحظات أبى الدهرُ نسيانها وطيَّها حينما كان الشعور بالمواطنة المتساوية أساسًا للتعايش السلمي بين مختلف الجماعات متعددة الأديان والمذاهب والأعراق والثقافات والحضارات. وللحقيقة، فالموصل التي اخترقتها أجندات التطرّف حين تلوثها بالأيادي الداعشية القذرة لم تكن تقصد هذه الجماعة أو تلك بسبب الاختلاف في الدين فحسب، بل كان هدفُها الأبعد، قطع شريان التعايش بين المختلفين دينًا ومذهبًا وثقافةً عن خطّ ومنهج معتنقي شكل هذا التطرّف، لاسيّما من الدخلاء والغرباء على هذه المدينة. والموصل بكلّ أطيافها وجماعاتها ماتزال تُذكّرُ في كلّ مناسبة بوقفة أبنائها موحدين وشجعانًا في مقارعة الغازي الفارسي عند حصارها في عام 1743م على أيام نادرشاه الأصفر القاسي. من هنا، فذاك الصمود التاريخي البطولي لم يزل راسخًا في ذاكرة الموصليّين ومثقفيهم ومؤرخيهم وشيوخهم ينقلونها إلى الأجيال من بعدهم. فقد شارك في الدفاع عن الموصل حينها، المسيحيون والمسلمون والإيزيديون واليهود من سريان وعرب وكرد بقيادة واليها الشجاع حسين باشا الجليلي. وماتزالُ قلعة باشطابيا الماثلة لغاية اليوم شاهدًا حيًّا لذلك الصمود البطوليّ بوجه أعتى عدوّ تاريخيّ مازال مصرًّا ومعاندًا لكسر سيادة بلاد الرافدين بأية وسيلة أو أداة. هكذا كان النسيج الموصلّي معافًى شامخًا بوجه أعدائه حيث كانت مآذنُ الجوامع تعانقُ شموخَ قباب الكنائس وأجراسها وما سواها من بيوت العبادة من طوائف أخرى كانت وماتزالُ تعيش جنبًا إلى جنب بكلّ مودة ومحبة وتآزر وتثاقف إلاّ ما ندر! فالمدينة لم تكن يومًا بلونٍ واحد ولا دينٍ واحد ولا ثقافة واحدة ولا فكرٍ واحد، بل كانت مزيجًا من أديان وثقافات قادها وأدارها علماءُ ومؤرخون وأصحابُ مهن وتعليم ومؤسّسو مدارس ومراكز ثقافية وتعليمية وترفيهية ودور نشر. فقد تعايشوا جميعًا معًا وتربوا معًا وتعاونوا معًا لصالح المدينة ولمنفعة أهلها بغض النظر عن اختلافهم في الدين والمذهب والثقافة والقومية. ألم يكن عبود الطنبورجي المعمار الذي أعاد إصلاح وترميم مئذنة الحدباء (الجامع النوري الكبير) في شارع الفاروق مجانًا، مسيحيًا ورفض تقاضي أجره من الوالي لكونها بيتًا من بيوت الله، وذلك تعبيرًا عن حبه لمدينته وشعوره بروح التآخي والتعايش القائم بين الأديان؟
تحرش الغرباء
لذا لم يكن غريبًا أن تنتعش روح وشكل هذا التعايش التاريخي بين أبناء هذه المدينة حصرًا وعموم المحافظة التي اختلّ فيها التوازن بعد سقوط النظام البائد بسبب تدخّل الدخلاء وتحرّش الغرباء بها لصالح أجندات خارجية مشبوهة. وفي انتظار استفاقة أهلها لطرد مَن تمّ التغرير بهم وإعادتهم إلى رشدهم بالعمل الجادّ لطرح الدخلاء خارجًا عنها ووضع حدّ للأجندات المشبوهة التي تغلغلت على أيديهم حاملةً رائحة الطائفية ومقرونةً بالنعرات العرقية والمذهبية والميلشياوية بهدف كسر إرادة أبنائها المفعمة بالوطنية الصادقة والتشكيك بتلاحمهم الجمعي التاريخي الذي لا يمكن تحطيمه بهذه المعاول القاتلة للكلمة والثقافة والحضارة والأخلاق.
أنتم أصحاب الأرض.. أنتم أبناء نينوى الخالدة.. أعود إلى وقائع مهرجان شبيبة «بغديدا» المسيحي السادس وما رافقه من مشاعر مواطنية حقيقية إتجاه أهلهم ومواطنيهم في مدينة الموصل الحدباء حين وضعوا ضمن برنامجهم لهذا العام زيارة حجّ تاريخية لكنائسها وأزقتها وبعض شوارعها ومعالمها الحضارية بقلوب طافحة بالمحبة والغيرة وروح الانتماء كرسالة طمأنينة بين أهل الداخل ونظرائهم أبناء الخارج، لاسيّما من أبناء المكوّنات الهشّة التي أحالها الزمن الغادر إلى أقليات دينية وعرقية غير متساوية الحقوق في مدينة «يونس» (يونان) الإيمان الموحدة والجميلة منذ القدم. تلكم مثّلت ليس زيارة سياحية عابرة، بل حملت معها وداعةَ حمامٍ إتّشحَ بياضَ البراءة وصدق الإيمان وروحية التفاعل وإيجابية المشاركة دليلاً على حضورهم في أرض الآباء والأجداد مع شركائهم في الوطن. وهذا من الأدلة الدامغة على بقاء الحضور المسيحي فاعلاً بين أهلهم ونظرائهم في ألوطن.
«أنتم أهل هذه الأرض، أنتم أصحاب هذه المدينة التاريخية، أنتم ملحها ورائحتُها الزكية...»، بهذه الكلمات الوجدانية الطيبة استقبل أهالي الموصل هذه المسيرة الشبابية المسيحية وهم يتفقدون كنائسهم وسط الأزقة والقناطر والعوجات وصولاً إلى غاياتهم ومقاصدهم واستذكارًا للوجود المسيحي الذي لم يغب عن هذه المدينة العامرة دومًا بأهلها وناسها وعلمائها ونخبها المثقفة عبر الزمن. وبالرغم من اتصاف هذه المناسبة بكونها مسيرة حجّ إيمانية لكنائس هذا المكوّن الأصيل في هدفها الأول، لكنها حملت أيضًا دلالات مواطنية بعودة عرى المحبة والتعايش السلمي بين مختلف مجتمعاتها متعددة الأعراق والأديان والثقافات حاملين معهم وفي قلوبهم غصّة القطيعة المحزنة طيلة سيطرة ذوي الأفكار المتطرفة على إدارة هذه المدينة. وهي تذكّر بأنَّ الأوان قد حان لحمل معاول البناء والإعمار ليس في الحجر فحسب بل في البشر وانتشال ما فسدَ بسبب تلك الأيام السوداء ووضع حدود صارمة لأية أصوات ناشزة لا تريد الخير لهذه المدينة واهلها بل تسعى قدر ما استطاعت لتنفيذ أجندات خارجية لا تريد لها ولأبنائها الخير والرفاء والمطأنينة والاستقرار. ولعلّ الموصلّيين الأبرار يجدون في هذه الزيارة خير إشارة لعودة أنهار المحبة وسواقي التآزر حاملةً معها مشاعل الوفاء ورسالة الفرح والرجاء والسلام لها ولأهلها جميعًا من دون تمييز ولا محاباة. فالزيارة فيها من العبر الكثير ومنها التأكيد على رسالة الغفران والتسامح مع مَن أراد إيقاع الألم والإساءة والأذى بحق مكوّن أصيل لم يدُرْ يومًا في خلده رؤية مثل هذه الألوان غير النظيفة في رسم لوحة حقيقية للمدينة التاريخية البطلة.
من هنا، جاءت الرسالة الكبيرة في هذه الفعّالية الرمزية التي نقلتها الشبيبة المسيحية برفقة رئيس كنيستها وكهنة الأبرشية مجتمعين، بأنّ المسيحيين في العراق ليسوا مجرّد جزء هامشي في هذا البلد، بل هم أصلُ ترابه الخالد ومنهم تفوح رائحة طينته الأساسية وهم باقون خالدين في ذاكرته التي لا تريد أن تشيخ بل هي راسخة وفي تجدّد دائم لكونها ليست ملكًا لأحد بل تنتمي لكلّ أبناء العراق شعلةً وقّادة للوطن وللعالم تنير دروب الظلام أينما حلَّ أهلُها وترعرعوا غصبًا عن إرادة الحاقدين. وهُم أيضًا «أصحاب البيوت المفتوحة بالحب وأهل الذوق الذي يزرع الأناقة والسلام أينما حلّوا»، كما طاب لبعض المعلّقين على هذه الفعّالية الذين رأوا أنهم ليسوا ضيوفًا للترحيب بهم لكونهم بحق «جذر النخلة وأصل الحكاية». فما أجمله من وصفٍ لشريحة أصيلة في نسيج شعبٍ يختلف في فكره وثقافته وانتمائه ومطبخه ولغته ولهجته وطيبته. وما أجمل ما سمعه الموصليون من أهازيج وترانيم تعبّر باحترام وتفاخر عن روح التلاحم الوطني والمصيري المشترك في أدقّ مراحل الحياة مستذكرين ذلك التلاحم البطولي بوجه عتاة الأكاسرة الذين تراجعوا بالخذلان والقهقرى.
دعوات للعودة إلى الوطن؟
أقول فقط لدعاة دعوة المسيحيين بالعودة إلى مواطن سكناهم الأصلية، نحن معكم في هذه الدعوة الملحّة. بل حبذا لو حصلت هجرة معاكسة وهي ليست مستبعدة البتة. فالعالم يمرّ اليوم بهزّات قوية وهو مقبل على تغيّرات مصيرية، ربما يصل جزءٌ منها إلى العراق. فكلّ شيءٍ ممكن ولا مستحيل عند خالق الأكوان ورب الشعوب وصاحب الأرض والزمان. لكنّ أية عودة ميمونة لا بدّ أن يسبقها تطمينات وطنية في حكمة السياسة وحسن الإدارة وبنظام ومنظومة سياسية جديدة تختلف عن هذه القائمة منذ عقود ولاسيّما ما زرعته أمريكا الغازية منذ سقوط النظام السابق بالتعاون والتوافق مع دول إقليمية ومنها الجارة الشرقية ودول الغرب المنافقة ولاسيّما أوربا التي تركت إيمانها وتعاونت مع قوى الشر بهدف تقاسم المغانم وتوزيع المكاسب وسط شكاوى أهل الدار المكتوين بظلم أهل الشر. فالربيع المرتقب لن يكون ربيعًا موصليًا ووطنيًا ما لم تُزال كل أدوات الظلم وتختفي مظاهر العسكرة وأشكال الفساد والإفساد في المجتعات الصحّية التي لا يليق بها مثل هذه الأشكال من الحكم التي تجيز سرقة الأموال وهدر الثروات الوطنية تحت أشكال كثيرة ومنها بطبيعة الحال بغطاء الدين والمذهب وفتاوى تحليل السرقات بحجة مجهولية الصاحب. كما أن عودة الطيور المهاجرة لا يمكن أن تتحقق من دون ضمان شكلٍ عالٍ من الاستقرار السكاني والخدمي في البنى التحيتة وفي توفير كلّ أدوات ووسائل الراحة والعيش الكريم للجميع دون استثناء حينما يرى تاركُ الوطن والأرض بأمّ عينيه عودة الحياة الطبيعية إلى مجاريها حيث الازدهار يتربع في أولى أولويات السلم الأهلي المطلوب. فالوطن الحقيقي هو المساحة التي تهبُ حياةً هادئة للجميع ضمن معيار المواطنة كالمسطرة عندما يكون الرجل المناسب في المكان المناسب وليس بحسب الدين والمذهب والحزب والعشيرة وتحت سطوة السلاح والنفوذ. هذه الأدوات الشريرة ليست كفيلةً بزرع بذور السلام والمحبة والفرح والسعادة والعيش الرغيد الآمن. بل هي من اشدّ أعداء الحياة الكريمة للمواطن الذي ذاق المرّ والهوان وذرفَ دموعًا مدرارًا حين مغادرته واحتفاظه بجزيئات من تراب الأرض التي عاش فيها لترافقه في وطنه الثاني الذي احتضنه بدل وطنه الأصلي الذي نبذَه وتركه فريسة لساسة فاسدين بلا خجل ولا خشية من ربهم الخالق. والفرق كبير!
لذا ومن هذا المنطلق، لا بدّ من الاهتمام أولاً بتهيئة الظروف الوطنية الملائمة ووسائل العيش الكريم أولاً لمَن لم يغادروا ويتركوا أرض الوطن بل آثروا البقاء وشرب كأس المرارة التي سُقي بها عموم الشعب العراقي طيلة سنوات القهر والظلم حين استشرى الفساد وأدواتُه وغاب منطق القضاء العادل بسبب ما واجهه من تهديدات حقيقية ومعلنة من ساسة الحكم الطائفي القائم طيلة سنوات الغزو الأجنبي وأعوانه وذيوله وتلاعبه بمقدّرات العراق منذ أكثر من عشرين عامًا. وبعد تهيئة الأرضية المناسبة والشعور بالراحة والأمان والمساواة في التعامل في إدارة الدولة على اساس وطني ووفق الجدارة والكفاءة وليس وفق رغبات أحزاب السلطة المتهمة بالفساد في معظم مؤسسسات الدولة التي تقودها، حينئذٍ يمكن أن تُتاح للعديد من ابناء الوطن وليس جميعهم من الذين غادروه لأية أسباب التفكيرَ بالعودة الميمونة المرتقبة إلى أرض الوطن ومَواطِن السكن الأصلية في سهل نينوى خاصةً. فمَن غادروها قادرون على بنائها مع أهلها الأصلاء الطيبين فكرًا وحجرًا وبشرًا لتعود حديقة غنّاء وارفة الظلال تسَعُ الجميع وتعطي ثمارها لساكنيها ولجميع الشركاء الحقيقيين في الوطن. فالموصل كانت وستبقى وطنًا مصغرًا وخير ملتقى للثقافات والحضارات وأحلى مأوى لسائر القوميات والأديان والطوائف بعيدًا عن الأشكال الناشزة والأدوات الغريبة والدخيلة التي فرضتها سياسة الأغراب عنها من زارعي الفتن الطائفية والتفرقة بين الأديان والأقوام التي كان يجمعُها حب الوطن والأرض. وهذا ما فتح أبواب الموصل من جديد لتحتضن شركاءها في الوطن وتفيض شوارعُها وأزقتُها وعوجاتُها وقناطرُها وقبابُ كنائسها ومآذن جوامعها ومساجدها ومعالم معابدها المختلفة بحبهم وعناقهم في هذه الفعّالية الجديرة بالاعتزاز. وتبقى مدينة الموصل بيتًا آمنًا للجميع ودارةً للإيمان بعون الرب القدير وجهود الحكماء والمثقفين ودعاة السلام والباحثين عن العيش الأمين.