الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وثيقة بريطانية سنة 1916 تكشف: الياسري يحمي عشائر الفرات الأوسط من الصراع  البريطاني العثماني

بواسطة azzaman

وثيقة بريطانية سنة 1916 تكشفالياسري يحمي عشائر الفرات الأوسط من الصراع  البريطاني العثماني

عادل الياسري

 

صدر كتاب «العشائر والسياسة» بعد أسبوع واحد من انقلاب 14 تموز 1958، وأشار في جملة عابرة إلى أن السيد نور بن السيد عزيز الياسري قام بدور في عقد الصلح بين الخزاعل وآل فتلة.

غير أن تلك الإشارة الموجزة لم تكشف أسباب النزاع القديم بين العشيرتين، ولا حجم المعركة التي وقعت بينهما، ولا الظروف السياسية والعسكرية التي أحاطت بعقد الصلح. واليوم تضع بين أيدينا وثيقة بريطانية تعود إلى سنة 1916، قبل احتلال بغداد، تفاصيل جديدة عن تلك الأحداث، وتكشف الدور المهم الذي أداه السيد نور الياسري في حماية عشائر الفرات الأوسط.

الأرض أصل العداء بين الخزاعل وآل فتلة

تكشف الوثيقة أن الأراضي الواقعة في الرفيعية على شط الحلة، وأبي تبن قرب الحميدية، والمشخاب بين الشنافية وأبي صخير، كانت تُعد من أملاك شيوخ الخزاعل منذ أجيال. وكان المزارعون يتولون زراعتها نيابة عنهم، بينما كان شيوخ الخزاعل مسؤولين عن إيراداتها أمام الحكومة العثمانية.

وقبل ستة عشر عامًا من تاريخ الوثيقة، أي في حدود سنة 1900، نشب خلاف بين السلطات العثمانية وشيوخ الخزاعل؛ فانتزعت السلطات تلك الأراضي منهم، وحولتها إلى أراضٍ تابعة للدولة، ثم أسندت زراعتها إلى آل فتلة، وعيّنت فرعون، والد مبدر الفرعون، مشرفًا عليها.

ولم تقتصر إجراءات السلطات العثمانية على انتزاع الأرض؛ فقد سجنت عددًا من شيوخ الخزاعل في تركيا، ومات بعضهم في السجون. وكانت غاية تلك السياسة إضعاف مكانة الخزاعل، ورفع شأن قوى عشائرية منافسة لهم، وإثارة الخلافات بين العشائر، بل داخل العشيرة الواحدة، حتى يسهل التحكم بالمنطقة وزعاماتها.

لم تكن الأرض هنا مجرد مورد اقتصادي؛ فقد كانت تعني الزعامة والجباية والنفوذ والمكانة الاجتماعية. ومن هنا أصبح انتزاعها سببًا عميقًا للعداء بين الخزاعل وآل فتلة.

السيد نور وشيوخ آل فتلة

وفي مرحلة سابقة، أودعت السلطات العثمانية عددًا من شيوخ آل فتلة في سجون بغداد بسبب خلافات عشائرية، وللحيلولة دون اشتداد شوكتهم واتساع نفوذهم بين العشائر. وقد عمل السيد نور الياسري جاهدًا من أجل إطلاق سراحهم.

ويكشف هذا الموقف أن دور السيد نور في حماية شيوخ العشائر وإصلاح ذات بينها كان سابقًا لأحداث سنة 1916. كما يفسر المكانة التي تمتع بها بينهم، والثقة التي جعلت كلمته مقبولة لدى الأطراف المختلفة.

الخزاعل ينتظرون استرداد أراضيهم

مع تقدم القوات البريطانية في العراق، وجد شيوخ الخزاعل فرصة لاسترداد أراضيهم ومكانتهم القديمة. ويظهر ذلك في رسالتهم إلى السير برسي كوكس، التي وصلت في 16 تشرين الأول 1916، إذ ذكروا أن الأتراك أهانوا مكانتهم، ورفعوا من كانوا في خدمتهم، وانتزعوا أراضيهم منهم.

كما تكشف الوثيقة أن كلمة الخزاعل كانت نافذة لدى عدد كبير من عشائر الفرات الأوسط. وقد تحدث شيوخهم عن امتداد نفوذهم من كربلاء إلى طابو، غرب السماوة، وعن انضمام أقسام عشائرية متعددة إليهم، منها شبل وغزالات وجباشه وحميدات وبني حسن.

موقف مبكر من الشريف حسين

حمل سعدون الحبيب إلى شيوخ الخزاعل رسائل ونشرات تتعلق بالشريف حسين. واجتمع سلمان الظاهر وصحن الشعلان ومحمد العبطان مع شيوخ أقسام الخزاعل لمناقشة ما ورد فيها.

وتذكر الوثيقة أنهم سُرّوا برسائل الشريف وأخباره، ورأوا أنه أصبح في موضع يستطيع معه إعلان الاستقلال، لكنهم طلبوا التروي لأنهم لم يروا أنفسهم أقوياء بما يكفي للتحرك في ذلك الوقت.

وهذا يضع الخزاعل بين أوائل عشائر الفرات الأوسط التي أبدت تجاوبًا سياسيًا مع الشريف حسين وفكرة الاستقلال، مع مراعاة موازين القوى والظروف العسكرية القائمة.

الحرب بين الخزاعل وآل فتلة

في 20 أيلول 1916 اندلع القتال بين الخزاعل من جهة، وآل فتلة وآل إبراهيم وآل زياد وجماعات أخرى من جهة ثانية.

كان انتزاع الأراضي السبب التاريخي العميق للصراع، أما الشرارة المباشرة فكانت محاولة السلطات العثمانية استمالة مبدر الفرعون وحلفائه بالمال، ودفعهم إلى الانضمام إلى المجاهدين العثمانيين، مع وعدهم بتسجيل الأراضي بأسمائهم في الطابو.

وتذكر رواية سعدون الحبيب أن القتال استمر ثلاثة أيام، وسقط فيه مئات القتلى والجرحى من الطرفين، واستولى الخزاعل على أعداد كبيرة من البنادق والأبراج. وهذه الأرقام وردت على لسان أحد أطراف النزاع، ولذلك تُقرأ بوصفها رواية الخزاعل عن المعركة.

دور السيد نور الياسري

عندما اشتد القتال ظهر الدور الأهم للسيد نور بن السيد عزيز الياسري، الذي تصفه الوثيقة بأنه «شيخ بحر الشنافية».

وجاء في بيان سعدون الحبيب:

«ثم إن السيد نور بن السيد عزيز ـ شيخ بحر الشنافية ـ ذهب إلى السيد كاظم اليزدي، وأحضره إلى جعارة، حيث عقد الصلح بيننا على أساس أن لا يساعد أي من الطرفين جيوش المتحاربين».

تكشف هذه العبارة القصيرة حقيقة تاريخية كبيرة؛ فالسيد نور لم يكن شاهدًا على الصلح، ولم يرد اسمه ملحقًا بالحادثة، وإنما كان صاحب المبادرة والحركة. ذهب إلى السيد كاظم اليزدي وأحضره بنفسه إلى جعارة، حيث تم عقد الصلح بين الطرفين.

ولم يكن اختيار السيد كاظم اليزدي عارضًا؛ فقد كشفت وثائق بريطانية أخرى، اطلعنا عليها وترجمناها، أن اليزدي كان يساعد شيوخ العشائر الذين اشتركوا في حرب الشعيبة على إعادة الاتصال بالسلطات البريطانية والاقتراب منها، بالرغم من فتواه السابقة بمحاربة الإنكليز وحماية ثغور البلاد.

وكان السيد نور يعرف مكانة اليزدي لدى شيوخ العشائر، وقدرته على التواصل معهم ومع السلطات البريطانية في الظروف الجديدة؛ ولذلك دعاه إلى الحضور والاستعانة بمكانته في تثبيت الصلح.

ولم يكن الاتفاق قائمًا على جمع الخزاعل وآل فتلة في حرب مشتركة ضد الأتراك، وإنما نص على ألا يساعد أي من الطرفين أحد جيشي الدولتين المتحاربتين: العثمانية والبريطانية. كما اتفق على أنه إذا هاجمت القوات العثمانية الخزاعل، فإن آل فتلة وحلفاءهم ينضمون إليهم لصد الهجوم.

وهذا التزام دفاعي مشروط، وليس إعلانًا لحرب مشتركة على الدولة العثمانية.

وهكذا لم يقتصر عمل السيد نور الياسري على إيقاف قتال عشائري دموي، وإنما حصّن عشائر الفرات الأوسط، من المسيّب إلى السماوة، قبل أن تصبح فريسة للإنكليز أو الأتراك.

ومن هنا يمكن أن نعرف لماذا تزعم السيد نور الياسري ثورة العشرين؛ فزعامته لم تظهر فجأة سنة 1920، بل تأسست على سنوات من الدفاع عن شيوخ العشائر، والعمل على إطلاق سراحهم، وإصلاح ذات بينهم، وتوحيد كلمتهم، وحماية منطقتهم من صراع الدولتين المتحاربتين.

لقد بدأ السيد نور بناء وحدة العشائر التي احتاجتها ثورة العشرين قبل اندلاعها بأربع سنوات.


مشاهدات 32
الكاتب عادل الياسري
أضيف 2026/09/19 - 12:06 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 95 الشهر 31343 الكلي 16563863
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير