الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان.. الفكرُ يصبح وطناً والسفرُ طريقاً للأنسانية

بواسطة azzaman

المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان.. الفكرُ يصبح وطناً والسفرُ طريقاً للأنسانية

ثامر الناصري

هناك أشخاصٌ حين تلتقيهم تشعر أنك لا تلتقي فردًا واحدًا، وإنما تلتقي مكتبةً تمشي على قدمين. وهناك مفكرون لا يمكن اختصارهم في لقب، ولا في جامعة، ولا في كتاب، ولا حتى في بلد أقاموا فيه سنوات طويلة.

ومن هؤلاء يأتي اسم الدكتور عبد الحسين شعبان؛ الكاتب والمفكر والأكاديمي والباحث الذي اختار أن يجعل من الفكر رحلةً لا محطة، ومن المعرفة مسؤوليةً لا زينة، ومن الكتاب وسيلةً للحوار مع الإنسان قبل أن يكون وسيلةً للحديث عنه.

إن الحديث عن عبد الحسين شعبان ليس حديثًا عن سيرة رجلٍ عاش بين الكتب، وإنما عن رجلٍ جعل حياته نفسها كتابًا مفتوحًا؛ صفحاته النجف، وبغداد، وبراغ، وبيروت، ولندن، والعواصم العربية، والجامعات، والمؤتمرات، وقاعات المحاضرات، والحوارات، واللقاءات، ورفوف المكتبات التي تحمل اسمه وتوقيعه.

النجف… البدايات التي صنعت السؤال

وُلد عبد الحسين شعبان في النجف سنة 1945، ونشأ في بيئة كان فيها الكتاب والدين والشعر والنقاش الاجتماعي والفكري حاضرةً في تكوينه المبكر. وتشير المصادر إلى أن تخرجه الجامعي كان من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، قبل أن يبدأ رحلته الأكاديمية الأوسع في براغ. لكنني أعتقد أن الجامعة الأولى لعبد الحسين شعبان لم تكن قاعة المحاضرة وحدها. كانت البيت وكانت النجف، وكان السؤال الذي ينمو في عقل طفلٍ يرى العالم من حوله، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا بالسؤال:

لماذا يختلف الناس؟

لماذا يظلم الإنسان أخاه الإنسان؟

أين تنتهي السلطة وتبدأ الحرية؟

كيف يمكن للقانون أن يكون أداةً للعدالة لا وسيلةً للقوة؟

وكيف يمكن للثقافة أن تتحول من معرفةٍ نخبوية إلى سلوكٍ إنساني؟

هذه الأسئلة ستكبر معه، وستنتقل معه من النجف إلى بغداد، ومن بغداد إلى براغ، ومن براغ إلى بيروت، ثم إلى فضاء عربي ودولي واسع .. (AL-ZAMAN)

بغداد… حين اتسعت الخريطة

في بغداد بدأ التكوين الأكاديمي المنظم. الاقتصاد والعلوم السياسية لم يكونا بالنسبة إليه تخصصين منفصلين عن الحياة، بل نافذتين لفهم المجتمع والدولة والسلطة والاقتصاد والعلاقات الدولية. ومن هنا ربما يمكن تفسير ذلك الاتساع الذي ميز تجربته لاحقًا. فعبد الحسين شعبان لم يحصر نفسه في حقل واحد.

 كتب في القانون وكتب في السياسة وكتب في حقوق الإنسان وكتب في الثقافة وكتب في الأدب وكتب عن الهوية وكتب عن العراق وكتب عن الجواهري وكتب عن أبي كاطع وكتب عن التسامح وكتب عن الديمقراطية وكتب عن الدولة والمواطنة.

وكأنه كان يبحث عن الإنسان من خلال كل هذه الأبواب. وقد وصف هو نفسه هذه الحقول بأنها روافد متعددة تصب في مكان واحد، هو المشترك الإنساني بين الثقافات. (مجلة الشبكة العراقية) وهذه ربما واحدة من أهم مفاتيح شخصية شعبان الفكرية.

براغ التي لم تكن محطة دراسية فقط

ثم تأتي براغ.

 وبراغ في حياة عبد الحسين شعبان ليست مجرد مدينة درس فيها. إنها فصل كامل من تكوينه. هناك واصل دراساته العليا، وحصل على درجات ماجستير مرتبطة بالعلاقات الدولية والقانون، ثم واصل اشتغاله في فلسفة العلوم القانونية. وتورد مؤسسة الفكر العربي أنه درس في جامعة 17 نوفمبر وجامعة تشارلز، وحصل على درجة مرشح علوم في فلسفة العلوم القانونية من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية. (Arab Thought Foundation)

لكن براغ بالنسبة إلى المفكر ليست شهادةً فقط. المدن الكبرى لا تعطي الإنسان شهاداتها وحدها، تعطيه ذاكرتها، تعطيه شوارعها، مقاهيها، مكتباتها، بردها، لغاتها، الاختلاف بين ثقافاتها، وتضعه أمام نفسه.

ولهذا بقيت براغ حاضرةً في ذاكرة شعبان وكتاباته وحواراته. لقد كانت مدينةً صنعت جزءًا من عينيه اللتين ينظر بهما إلى العالم ..

من السياسة إلى الإنسان

ربما من أجمل ما يمكن ملاحظته في تجربة عبد الحسين شعبان أن الفكر السياسي عنده لم يبقَ سياسيًا بالمعنى الضيق. لقد اتجه شيئًا فشيئًا نحو الإنسان، وهنا يصبح القانون مرتبطًا بالحرية، والحرية مرتبطة بالكرامة، والكرامة مرتبطة بحقوق الإنسان، وحقوق الإنسان مرتبطة بالتسامح، والتسامح مرتبط بثقافة المجتمع، والثقافة مرتبطة بالدولة، والدولة مرتبطة بالمواطنة، فتتحول الدائرة كلها إلى سؤال واحد: كيف يمكن أن يصبح الإنسان أكثر إنسانية؟

ولهذا كان اهتمامه بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان والقوانين والدساتير واللاعنف والتسامح جزءًا من مشروع فكري متصل، لا مجرد موضوعات متناثرة. وتصفه مؤسسة الفكر العربي بأنه من الجيل الثاني من المجددين العراقيين، وأنه انشغل مبكرًا بقضايا المجتمع المدني والأديان والدساتير والقوانين الدولية والنزاعات والحروب والتسامح واللاعنف.

بيروت… الجنة العربية التي وجد فيها فضائه

ثم تأتي بيروت.

وأنا أستطيع أن أفهم لماذا ارتبط عبد الحسين شعبان بهذه المدينة، بيروت ليست مدينةً عادية للمثقف العربي، إنها مدينةٌ تشبه الكتاب المفتوح، مدينة الصحافة والكتب والنشر والمقاهي والحوارات والاختلاف.

مدينةٌ يمكن أن تجلس فيها إلى جانب شاعر، ثم تلتقي أستاذ قانون، ثم صحفي، ثم مفكر، ثم سياسي، ثم فنان، ثم تكتشف أن الجميع يتحدث عن الإنسان بطريقة مختلفة.

وهكذا أصبحت بيروت بالنسبة إلى شعبان أكثر من مكان إقامة، أصبحت فضاءً ثقافيًا وإنسانيًا.ومنها ارتبط اسمه بعدد من المؤسسات والمراكز والأنشطة الفكرية والقانونية، وتذكر سيرته ارتباطه بمؤسسات حقوقية وبالمركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، إضافة إلى نشاطه الأكاديمي والاستشاري. ولعل أجمل ما في بيروت أنها لم تطلب منه أن يكون عراقيًا أقل. بل سمحت له أن يكون عراقيًا وعربيًا وإنسانيًا في الوقت نفسه.

العائلة… الوجه الذي لا تراه المنابر

لكن وراء المفكر الذي تراه القاعات، رجلٌ آخر، رجلٌ له بيت، وله أبناء، وله عائلة تعرفه بعيدًا عن الألقاب، العائلة لا ترى الدكتور عبد الحسين شعبان كما يراه الجمهور، لا تراه صاحب المحاضرة، ولا صاحب الكتاب، ولا الرجل الذي تستقبله المنابر، إنها تراه أبًا، وتعرف صمته، وتعرف عاداته، وتعرف انشغاله، وتعرف كم ساعة يمكن أن يقضيها مع كتاب، وكم مرة يمكن أن يترك حديثًا عائليًا ليعود إلى فكرةٍ خطرت في رأسه، وهنا تظهر عظمة أخرى، أن يكون الإنسان كبيرًا في المجال العام، دون أن يفقد مكانه كأب في البيت، وحب العائلة لوالدها ليس تفصيلًا هامشيًا في سيرة مفكر، إنه ربما أصدق شهادة، فالجمهور يعرف صورة الرجل، أما العائلة فتعرف الإنسان الذي وراء الصورة.

عبد الحسين شعبان… رجل العلاقات التي لا تختزلها السياسة

التقى شعبان خلال مسيرته شخصيات كثيرة من رؤساء ووزراء وأساتذة ومفكرين وحقوقيين وكتّاب وفنانين وأكاديميين. لكن اللافت في شخصيته، في تقديري، أنه لا يتعامل مع العلاقة بوصفها بابًا للامتياز، إنه يتعامل معها بوصفها نافذةً للحوار، ولهذا اتسعت دائرة معارفه، فالمفكر الحقيقي لا يعيش داخل تخصصه فقط. إنه يعيش داخل المجتمع، ويحتاج إلى أن يسمع السياسي، والأستاذ، والصحفي، والطالب، والناشط، والفنان، والكاتب، كل واحد منهم يمنحه شيئًا، وكل لقاء يمكن أن يتحول إلى سؤال جديد، وكل سؤال يمكن أن يصبح كتابًا.

السفر عند شعبان… جامعة أخرى

عبد الحسين شعبان من أولئك الذين لم يجعلوا السفر استراحةً من الفكر، بل جعلوا الفكر يسافر معهم، مؤتمر هنا، ندوة هناك، جامعة في بلد، محاضرة في بلد آخر، لقاء مع مفكرين، حوار مع أكاديميين، توقيع كتاب، مناقشة قضية، تكريم، ثم عودة إلى بيروت أو إلى مكتبته، حيث تبدأ رحلة أخرى، ولهذا يبدو أن حقيبته ليست حقيبة سفر عادية، إنها تحمل مشروعًا فكريًا متنقلًا.

التكريم… حين يصبح الاعتراف بالمنجز عربيًا

حصل شعبان على عدد من الجوائز والأوسمة والتكريمات في العالم العربي وخارجه، ومن بينها وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي في القاهرة عام 2003، ووسام الصداقة العربية–الكردية في أربيل عام 2004، ووسام اتحاد الحقوقيين العرب في عمّان عام 2005، وجائزة العنقاء الذهبية في العمارة عام 2006، وتكريم مهرجان الفيلم العربي في روتردام عام 2008، ووسام وشهادة تقديرية من اتحاد الحقوقيين العراقيين في بغداد عام 2009، وسام الإبداع، من جريدة الزمان التي تمنح لكبار المبدعين، وسام ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار، بيروت، 2015 ووسام وجائزة المعهد العربي للديمقراطية ومنتدى الجاحظ والجامعة الخضراء في تونس العام 2016، وسام التميّز من اتحاد كتاب أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية في القاهرة العام 2024، وسام يوم الوفاء من دار سعاد الصباح، إسوةً بالشاعر نزار قباني والصحافي والديبلوماسي اللبناني غسان تويني والمفكّر التونسي الحبيب الجنحاني، والديبلوماسي والعسكري والمفكّر المصري ثروت عكاشة، والكاتب والمناضل والمفكّر المغربي عبد الكريم غلّاب، والشاعر السعودي صاحب السمو الملكي عبد الله الفيصل، والشاعر البحريني ابراهيم العريض، والتربوي الكويتي عبد العزيز حسين، والروائي الليبي ابراهيم الكوني، والبرلمانية الجزائرية المبدعة زهور ونيسي، والعالم الفلكي الكويتي صالح العجيري، (الكويت 2024)، قلادة الإبداع من مجموعة الإعلام المستقل التي يرأسها الأستاذ سعد البزاز، هي أعلى وسام يُمنح للمبدعين الكبار (العراق 2024).وهذه التكريمات ليست مجرد قائمة أسماء، كل تكريم منها يمثل محطةً في علاقة شعبان بالمكان الذي كرمه، فهو حين يُكرّم في بغداد، يستعيد شيئًا من العراق، وحين يُكرّم في عمّان، يضيف إلى الجسر الثقافي العربي، وحين يُكرّم في أربيل، يصبح التكريم مساحةً للتقارب العربي– الكردي، وحين يُكرّم في بلد آخر، يأخذ معه صورة المثقف العراقي الذي لم يغلق نفسه داخل حدود جغرافية.

الكتاب… الابن الذي لا يكبر

أما أجمل لحظات عبد الحسين شعبان، في نظري، فهي ربما لحظة توقيع الكتاب.

ذلك المشهد الذي يجلس فيه المؤلف أمام نسخته، ويأتي القارئ حاملًا كتابه، يمسك القلم، يكتب إهداءً، ثم يوقع، وقد يبدو المشهد بسيطًا، لكنه في الحقيقة لحظة شديدة الرمزية.

فالكتاب الذي أمضى المؤلف أشهرًا أو سنوات في كتابته أصبح الآن بين يدي إنسان آخر، لقد خرج من صاحبه، أصبح ملكًا للقارئ، ولهذا فإن توقيع شعبان على كتابه ليس توقيعًا على ورق، إنه توقيع على رحلة فكرية كاملة.

ومؤلفاته الممتدة بين القانون والسياسة وحقوق الإنسان والثقافة والأدب والهويات والديمقراطية والتسامح وغيرها، تكشف عن مشروع واسع يتجاوز التخصص الواحد.

 الاستقبال الذي يليق بالمفكر

وفي أسفار عبد الحسين شعبان، ثمة صورة تتكرر:

يصل إلى بلد، فيستقبله الأكاديميون والمثقفون والحقوقيون والكتّاب والطلبة وتقام له الندوات وتفتح له القاعات، ويجلس إلى جانب كبار الشخصيات، وهنا يمكن أن نفهم خصوصية حضوره، فهو لا يدخل المكان بوصفه ضيفًا عاديًا، إنه يدخل وفي يده تاريخ طويل من الكتابة والبحث والحوار.

 وهذا ما يجعل استقباله في بعض المحافل يأخذ طابعًا احتفائيًا خاصًا، ليس لأنه يبحث عن الاحتفاء، بل لأن المجتمعات الثقافية تعرف قيمة المفكر الذي أمضى عقودًا وهو يكتب ويبحث ويسافر ويحاور، هدوءٌ يسبق العاصفة الفكرية.

ومن أكثر ما يميز عبد الحسين شعبان، كما أراه، هدوؤه، هادئ ومنظم، لا يستعرض المعرفة.

لا يحتاج إلى رفع صوته كي يثبت أنه يعرف، وهذه صفة نادرة في زمن أصبح فيه بعض الناس يخلطون بين ارتفاع الصوت وارتفاع القيمة. شعبان مختلف، يجلس بهدوء، يصغي، يفكر، ثم يتحدث.وعندما يتحدث تشعر أن وراء الجملة رفوفًا كاملة من الكتب والتجارب، إنه من أولئك الذين لا يضعون المعرفة على الطاولة دفعةً واحدة، بل يخرجون منها ما يحتاجه الحوار.

عبد الحسين شعبان… لا يعيش في تخصص واحد

ربما الخطأ الأكبر هو محاولة وضعه في خانة واحدة. هل هو قانوني؟ نعم.

هل هو سياسي؟ له اشتغالات واسعة في السياسة والفكر السياسي. هل هو مفكر؟ بلا شك.

هل هو كاتب؟ وكتبه تشهد على ذلك، هل هو حقوقي؟ قضايا حقوق الإنسان من أبرز مساحات اشتغاله. هل هو مثقف؟ مشروعه الثقافي والأدبي واسع. هل هو أكاديمي؟ درّس في جامعات عراقية وعربية وأجنبية بصفة أستاذ زائر.

لكنني أعتقد أن الإجابة الأجمل هي: إنه مفكر عابر للتخصصات، لأن الإنسان نفسه عابر للتخصصات.

سيميولوجيا عبد الحسين شعبان

إذا قرأنا شخصية عبد الحسين شعبان قراءةً سيميولوجية، سنجد أن حياته نفسها أصبحت منظومة علامات.

الكتاب علامة على المعرفة، السفر علامة على الانفتاح، براغ علامة على التكوين الأكاديمي والانفتاح على العالم، بيروت علامة على الحاضنة الثقافية العربية، الندوة علامة على الحوار، التكريم علامة على اعتراف المجتمع الثقافي، التوقيع علامة على انتقال الفكر من صاحبه إلى قارئه، الهدوء علامة على الثقة، التنظيم علامة على عقلٍ لا يحب الفوضى، والعائلة هي العلامة الأكثر إنسانية؛ لأنها تذكرنا بأن وراء المفكر أبًا، ووراء الكاتب إنسانًا، ووراء الاسم الكبير قلبًا يعيش في بيت، وهنا تصبح السيرة كلها نصًا واحدًا.

 

عبد الحسين شعبان… الجسر

في زمنٍ أصبحت فيه المسافات بين الناس أكبر، يصبح المفكر الذي يستطيع أن يصل بين المختلفين قيمةً ثقافية بحد ذاته. وشعبان، في مسيرته الطويلة، اشتغل في مناطق تقع بين:

العراق والعالم العربي، القانون والسياسة، الفكر والثقافة، الحداثة والتراث، الحقوق والواجبات، الدولة والمجتمع، الفرد والجماعة، الاختلاف والتسامح، ولهذا أراه جسرًا أكثر منه جزيرة، والجسر لا يعيش لنفسه، وظيفته أن يصل بين ضفتين.

 

وفي النهاية… ماذا يمكن أن نهدي مفكرًا مثل عبد الحسين شعبان؟

قدمت له الحياة كتبًا كثيرة، وقدمت له الجامعات منابر، وقدمت له المؤتمرات جمهورًا، وقدمت له العواصم تكريمات، وقدمت له المكتبات مكانًا دائمًا في رفوفها.

أما نحن، فلا نملك أمام رجلٍ بهذا التاريخ إلا أن نقدم له كلمة وفاء تليق بما قدم، ولهذا أقول له:

أيها الصديق الكبير

يا ابن النجف.

يا خريج بغداد.

يا ابن براغ.

يا عاشق بيروت.

يا رجل الرحلة الطويلة.

يا صاحب القلم الذي لم يكتفِ بأن يكتب عن العالم، بل حاول أن يفهمه.

لقد جعلت من حياتك رحلةً بين المدن، ومن المدن صفحاتٍ في كتابك، ومن الكتاب جسرًا إلى الإنسان. سافرت كثيرًا، لكنك لم تكن مسافرًا عاديًا، كنت تحمل العراق معك.

وفي كل جامعة دخلتها، وفي كل مؤتمر شاركت فيه، وفي كل محاضرة ألقيتها، وفي كل كتاب وقّعته، وفي كل تكريم تلقيته، كنت تترك وراءك شيئًا من حضور المثقف العراقي الذي استطاع أن يجعل من المعرفة وطنًا لا تحده الجغرافيا. ولعل أجمل ما فيك أنك، رغم كل هذا الحضور، بقيت هادئًا، منظمًا، متواضعًا في مظهرك، كبيرًا في أثرك.

وكأنك تعرف أن المفكر الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقول للناس إنه كبير، يكفي أن تترك كتبه تتحدث، وأنت تركت كتبًا كثيرة تتحدث، وتركت أصدقاءً يتحدثون، وتركت طلابًا يتحدثون، وتركت عائلةً تحب والدها الكبير، وتركت مدنًا عربيةً تتذكر ضيفها، وتركت في كل مكانٍ مررت به سؤالًا جديدًا.

عبد الحسين شعبان

ليست القيمة في عدد الكتب وحده، ولا في عدد المؤتمرات، ولا في عدد الأوسمة، ولا في عدد الرؤساء والوزراء والأساتذة والمفكرين الذين التقيتهم.

القيمة الحقيقية هي أن يبقى الإنسان، بعد كل ذلك، قادرًا على أن يجلس وحده مع نفسه ويواصل التفكير. وهذا ما يميزك. أنك لم تجعل التكريم نهاية الطريق، ولم تجعل الشهرة نهاية البحث، ولم تجعل السفر نهاية الوصول، بل ظللت تمشي وتكتب وتحاور وتبحث وتختلف وتتأمل وتعود إلى الكتاب، ثم تبدأ من جديد.

ولهذا فإنني، وأنا أكتب عنك، لا أريد أن أضع نقطةً في نهاية سيرتك، لأن المفكر الحقيقي لا تنتهي سيرته عند آخر سطر يكتبه، بل تبدأ سيرته الحقيقية عند أول فكرة يتركها في عقل قارئه.

وأنت، يا دكتور عبد الحسين شعبان، تركت أفكارًا كثيرة، ولهذا سيبقى اسمك، في تقديري، حاضرًا لا بوصفه اسم كاتب عراقي كبير فحسب، بل بوصفه جزءًا من الذاكرة الفكرية العربية المعاصرة.

مع خالص المحبة والاعتزاز

 

 


مشاهدات 29
الكاتب ثامر الناصري
أضيف 2026/09/19 - 12:54 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 1:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 31378 الكلي 16563898
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير