الملكية وإنتفاضة تشرين
فيصل عبد الحسن
الأريحية في النظام الملكي خلقت العراقي الحر في الأربعينات والخمسنات من القرن الماضي، الذي رأيناه بكامل قيافته الحضارية في الملاعب الكروية، وهو يشجع منتخب بلاده، وفي الروزخانة ليحيي أبطال الأجسام الرياضية، والمسارح ليتابع مسرحية تشتم الاستعمار، وفي حفلات المقام العراقي متابعا مطربه المحبوب رشيد القندرجي ومحمد القبانجي وناظم غزالي، ويخرج في المظاهرات بالآلاف بالهندام الحضاري والصفوف المرتبة في بغداد، وغيرها من ألوية العراق، ولم يخرج وقتها من أجل الخدمات والبنى التحتية للمجاري ومياه الشرب أوالكهرباء، فقد كانت تلك المطالب الخدمية ملباة على قدر الإمكان، ولم يخرج المتظاهرون من أجل التعيين في الوظائف كان خروجهم من أجل الوطن !!
كان خروج تلك الحشود من المثقفين والأدباء والصحفيين والموطفين والعمال والفلاحين، وممن لا يفكون الخط، وكان خروجهم في كل مرة للسؤال عن مصير الوطن واستقلاله ونيل حقوقه كبلد مستقل بين البلدان المحترمة، رافضين لأي معاهدة ظالمة تكبله، وتقوم الدنيا ولا تقعد ويسقط الشهداء من أجل الوطن وحريته واستقلاله، ونجد في تلك المظاهرات الموظف االكبير، فهو لا يخاف كما اليوم أن يطرد من وظيفته، ويقطع عيشه، وللأسف فالكثير منهم اليوم يخافون حتى من أن يشيروا “بلايك”على منشور مقال يدين فاسدا، أو يدين حكومة كبلت بلدهم بالعديد من المعاهدت الظالمة التي رهنت اقتصاده وأجياله القادمه للمجهول.
لقد كانت تلك المظاهرات التي خرجت في عهد الملكية تضم المثقفين والأدباء الكبار، فتجدهم في أول صفوف المتظاهرين يُحملون على الأكتاف“ أين هم الآن ؟ معظمهم من الذين ينتظرون نتائج ما يفعله إبن االشارع العراقي المتمرد على أوضاعه المعيشية، ليغنموا من فتات مائدة السلطة ما ترميه له من عظام وفتافيت موائدهم العامرة.
من اجل الوطن
في الملكية لم تكن المظاهرات تخرج من أجل الحصول على وظيفة أو بسبب رواتب متعاقدين متأخرة، بل كانت المظاهرات تخرج من أجل الوطن، نعم من أجل الوطن وحده، ومن أجل مصيره ومستقبله، كانت تخرج من أجل الحرية والحياة الكريمة للشعب، فهل خرجت اليوم مظاهرة تندد بالاستعمارالأمريكي“المالي المرعب للعراق” والهيمنة الإيرانية على قرارات الحكومات العراقية السياسية المتعاقبة ” ؟!!
ربما مرة واحدة اتقد فانوس الأمل في الأول من اكتوبر 2019 في انتفاضة تشرين الخالدة، من قبل الشباب العراقيين الضائعين ومتوسطي التعليم، والذين يبحثون عن وطن، وحين ازدادت فاتورة القتل عليهم من قبل السلطة الحاكمة منع الأباء أبناءهم من الخروج إلى الشارع !! وخاف المثقف على ريشاته الكاذبة، وعلى سبوبة عيشه، فاختفى من الساحة، وتوقف الإعلامي عن بثه الثوري لقاء رشى ووعود وتخويف، وكذلك الموظف خاف على راتبه، فما دام يأكل ويشرب، فالوطن بخير ظناً منه أن الوطن يقع في البطن، أما المغلوب على أمره فقد وجد نفسه وحيدا أعزل ينعت بأبشع أنواع الخيانة للوطن !!
الشعوب الحية التي تحب وطنها تقدم الآلاف من الشهداء حتى تحقق أهدافها ولا تخون دماء من سقطوا من أبناء شعبها، وخلال العقدين المضايين تمت صناعة بشر عراقي يشبه الإنسان، ولكنه ليس بإنسان هدفه الوحيد هو جمع المال، المال من أي مصدر كان شريف أو غير شريف ولا يهمه بعد ذلك وطن ولا مستقبل أبناء،همه الوحيد كيف يملأ جيبه بالمال وبطنه بالطعام، أما الوطن والأخلاق والضمير فإلى الجحيم!!
أغلب المظاهرات التي تخرج في العراق اليوم هي من أجل تقاسم الغنيمة مع السلطة الحاكمة للأسف، فهي تجمل وجه السلطة الفاسدة، فيظن من يتابعها بالرغم من القسوة في لجمها أن ثمة أملاً فيها، وهي في حقيقة الأمر منذ 2003 ما هي إلا محاولات للقول أننا لا نزال نعيش!!