العراق دولة ديمقراطية اتحادية… هل نعيش فعلاً هذا النموذج؟
شيركو حبيب
عندما نقول إن العراق دولة ديمقراطية اتحادية، فإننا لا نتحدث عن عبارة وردت في الدستور فقط، ولا عن وصف سياسي يُقال في المناسبات، وإنما نتحدث عن نظام دولة له أسس واضحة، وحقوق وواجبات، وعلاقة دستورية بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات، يفترض أن تقوم على الشراكة واحترام القانون.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم هو:
هل العراق يطبق فعلاً مفهوم الدولة الديمقراطية الاتحادية كما نص عليه الدستور، أم أن هذه التجربة ما زالت أسيرة الخلافات السياسية وتوازنات القوة؟
بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة، ثم جاء دستور عام 2005 ليضع الأساس لنظام ديمقراطي اتحادي، ويحدد شكل الدولة وصلاحيات مؤسساتها، ويقر بإقليم كوردستان كإقليم اتحادي، وكان يفترض أن تكون هذه المرحلة بداية لبناء دولة تقوم على المؤسسات وتداول السلطة والفصل بين السلطات واحترام الحقوق، وتنظم العلاقة بين المركز والأقاليم والمحافظات على أساس الدستور، لكن التجربة العراقية خلال السنوات الماضية أثبتت أن كتابة الدستور شيء، وتطبيقه شيء آخر.
الديمقراطية ليست انتخابات فقط
من الخطأ اختصار الديمقراطية في الانتخابات، الانتخابات جزء أساسي من النظام الديمقراطي، لكنها ليست الديمقراطية كلها. فالديمقراطية تعني احترام إرادة الناخب، وحماية حقوق المواطنين، ووجود مؤسسات مستقلة، واحترام القانون، وضمان حرية التعبير، وعدم استخدام السلطة لإقصاء الخصوم، وقبول نتائج الانتخابات، والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية والقانونية، الديمقراطية الحقيقية لا تعني أن يفوز طرف في الانتخابات ثم يتصرف وكأنه يملك الدولة، الدولة ليست ملكاً لحزب أو تحالف أو شخصية سياسية، وإنما هي ملك لجميع مواطنيها، والحكومة مسؤولة أمام الشعب، والسلطة يجب أن تبقى مقيدة بالدستور والقانون، مهما كان حجمها أو قوتها.
وماذا يعني أن يكون العراق دولة اتحادية؟
الفيدرالية ليست تقسيم العراق، كما يحاول البعض تصويرها، وليست مشروعاً لإضعاف الدولة العراقية، الفيدرالية هي، في جوهرها، طريقة لتنظيم الدولة وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والوحدات الاتحادية، بحيث تكون لكل جهة صلاحيات محددة وفق الدستور، والدستور العراقي لم يترك هذه المسألة غامضة، بل أقر النظام الاتحادي، واعترف بإقليم كوردستان كإقليم اتحادي، ووضع إطاراً للعلاقة بين السلطات الاتحادية والأقاليم والمحافظات، لذلك فإن احترام الفيدرالية يعني قبل كل شيء احترام الدستور، ولا يمكن أن تكون الفيدرالية نظاماً نقبله عندما يخدم مصالحنا، ثم نرفضه عندما لا يتوافق مع حساباتنا السياسية.
العلاقة بين بغداد وأربيل… اختبار حقيقي للفيدرالية
إذا أردنا أن نعرف مدى جدية التجربة الاتحادية في العراق، فعلينا أن ننظر إلى العلاقة بين بغداد وأربيل، هذه العلاقة ليست مجرد قضية بين حزبين، ولا ينبغي اختزالها في خلاف سياسي مؤقت، إنها علاقة دستورية بين الحكومة الاتحادية وإقليم اتحادي معترف به دستورياً، ولهذا فإن ملفات النفط والغاز، والموازنة، والرواتب، والصلاحيات، والمناطق المتنازع عليها، وقوات البيشمركة وغيرها، يجب أن تُعالج من خلال الدستور والقوانين والحوار السياسي، وليس من خلال الضغط أو الأزمات المتكررة، قد تختلف بغداد وأربيل، وهذا أمر طبيعي في أي دولة اتحادية، لكن الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى صراع دائم، ولا ينبغي أن يكون المواطن هو من يدفع ثمنه، الاتحاد الحقيقي لا يعني غياب الخلاف، بل يعني وجود مؤسسات وآليات دستورية قادرة على حل الخلاف.
الدستور ليس قائمة خيارات
من أكبر المشكلات التي تواجه التجربة العراقية أن بعض القوى السياسية تتعامل مع الدستور أحياناً باعتباره مجموعة من المواد التي يمكن الاستناد إليها عندما تخدم مصالحها، وتجاوزها عندما تتعارض معها، وهذا أمر خطير، ليس على طرف معين، وإنما على الدولة العراقية كلها، الدستور يجب أن يكون المرجعية العليا للجميع: للحكومة والبرلمان والأقاليم والمحافظات والأحزاب، وإذا كان هناك نص دستوري يحتاج إلى تعديل، فهناك طرق دستورية وقانونية لتعديله، أما تجاهله أو تفسيره وفق موازين القوى السياسية، فإنه يضعف هيبة الدولة ويخلق حالة من عدم الثقة بين مكوناتها، لا يمكن أن تكون لدينا دولة اتحادية مستقرة إذا كان احترام الدستور خاضعاً للظروف السياسية.
العراق بحاجة إلى دولة مؤسسات
العراق لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قوية، الدولة القوية ليست الدولة التي تملك أكبر عدد من القوات أو أكبر قدر من الموارد، وإنما الدولة التي يكون فيها القانون أقوى من الأشخاص والأحزاب، عندما تكون المؤسسات قوية، يصبح انتقال السلطة أكثر سهولة، وتصبح الخلافات السياسية أقل خطورة، ويشعر المواطن بأن حقوقه لا تعتمد على علاقاته أو انتمائه السياسي، أما عندما تصبح الدولة مرتبطة بالأشخاص والأحزاب، فإن أي خلاف سياسي يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة وطنية، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: الدولة التي لا تحمي مؤسساتها بالقانون، ستبقى معرضة لأن تتحول السياسة فيها إلى صراع على النفوذ بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة المواطن.
التنوع ليس مشكلة العراق
العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب والمكونات، وهذه الحقيقة ليست ضعفاً، بل يمكن أن تكون مصدر قوة إذا أُديرت في إطار المواطنة والدستور، الكورد والعرب والتركمان، والمسلمون والمسيحيون والإيزيديون وغيرهم، جميعهم جزء من العراق، ولكل مكون حقه في أن يشعر بأنه شريك في الدولة وليس مجرد جزء منها.
الدولة الديمقراطية الاتحادية لا تطلب من الجميع أن يكونوا متشابهين، بل تضمن لهم حقوقهم وهم مختلفون، وهنا تظهر أهمية النظام الاتحادي؛ فهو لا يقوم على إلغاء الخصوصيات، وإنما على تنظيمها داخل دولة واحدة، مع الحفاظ على وحدة العراق وسيادته.
ما الذي يحتاجه العراق؟
العراق لا يحتاج إلى تغيير نظامه في كل مرة تظهر فيها أزمة سياسية، ما يحتاجه هو تطبيق النظام الذي اختاره الدستور بصورة صحيحة، نحتاج إلى انتخابات نزيهة، ومؤسسات مستقلة، وقضاء قوي، وبرلمان يمارس دوره الحقيقي، وحكومة تحترم الدستور، ومعارضة سياسية قادرة على الرقابة، وإعلام حر ومسؤول، لكننا نحتاج أيضاً إلى شيء أهم من كل ذلك: ثقافة سياسية جديدة، ثقافة تؤمن بأن الخصم السياسي ليس عدواً للدولة، وأن الاختلاف لا يعني الخيانة، وأن التنافس السياسي يجب أن يبقى داخل المؤسسات، فالاختلاف جزء من الديمقراطية، لكن تحويل الاختلاف إلى صراع دائم هو ما يهدد الديمقراطية نفسها.
العراق الاتحادي يحتاج إلى شراكة حقيقية
لا يمكن بناء عراق اتحادي مستقر إذا شعر طرف بأنه يملك العراق أكثر من غيره، الدولة الاتحادية الناجحة تقوم على الشراكة، لا على الهيمنة، بغداد تحتاج إلى أربيل، وأربيل تحتاج إلى بغداد، والمحافظات تحتاج إلى الدولة الاتحادية، والدولة الاتحادية تحتاج إلى أقاليمها ومحافظاتها، المصلحة ليست في أن ينتصر طرف على طرف، وإنما في أن تنتصر الدولة، ولهذا فإن أي خلاف بين بغداد وأربيل يجب ألا يُنظر إليه فقط بمنطق: من انتصر ومن خسر؟
بل يجب أن يكون السؤال:
هل انتصر الدستور أم تراجع؟
لأن انتصار طرف سياسي على حساب إضعاف الدولة ليس انتصاراً حقيقياً، كما أن حل الخلافات بالضغط المؤقت لا يصنع استقراراً دائماً.
الخلاصة
العراق دولة ديمقراطية اتحادية بحكم الدستور، لكن نجاح هذه الدولة لا يقاس بما هو مكتوب فقط، وإنما بما يُطبق على أرض الواقع، الديمقراطية تحتاج إلى ممارسة، والفيدرالية تحتاج إلى احترام، والدستور يحتاج إلى تطبيق، والمؤسسات تحتاج إلى استقلال، والمواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن الدولة تحمي حقوقه، العراق لا يحتاج إلى ديمقراطية على الورق، ولا إلى فيدرالية في النصوص فقط، إنه يحتاج إلى دولة يكون فيها الدستور أقوى من الخلافات السياسية، والقانون أقوى من الأحزاب، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، وعندما نصل إلى هذه المرحلة، عندها فقط يمكن أن نقول إن العراق لا يملك دستوراً ديمقراطياً اتحادياً فحسب، بل يعيش فعلاً تجربة دولة ديمقراطية اتحادية، فالدولة لا تصبح ديمقراطية لأنها تقول إنها ديمقراطية، ولا تصبح اتحادية لأنها تكتب ذلك في دستورها.
الدولة تصبح ديمقراطية واتحادية عندما يتحول الدستور إلى ممارسة، والحقوق إلى واقع، والشراكة إلى ثقافة سياسية.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم: ليس أن نثبت للعالم أن لدينا دستوراً ديمقراطياً اتحادياً، بل أن نثبت لأنفسنا أولاً أننا قادرون على احترامه وتطبيقه.
الخلاصة
العراق دولة ديمقراطية اتحادية بحكم الدستور، لكن نجاح هذه الدولة لا يقاس بما هو مكتوب فقط، وإنما بما يُطبق على أرض الواقع، الديمقراطية تحتاج إلى ممارسة، والفيدرالية تحتاج إلى احترام، والدستور يحتاج إلى تطبيق، والمؤسسات تحتاج إلى استقلال، والمواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن الدولة تحمي حقوقه، العراق لا يحتاج إلى ديمقراطية على الورق، ولا إلى فيدرالية في النصوص فقط، إنه يحتاج إلى دولة يكون فيها الدستور أقوى من الخلافات السياسية، والقانون أقوى من الأحزاب، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، وعندما نصل إلى هذه المرحلة، عندها فقط يمكن أن نقول إن العراق لا يملك دستوراً ديمقراطياً اتحادياً فحسب، بل يعيش فعلاً تجربة دولة ديمقراطية اتحادية، فالدولة لا تصبح ديمقراطية لأنها تقول إنها ديمقراطية، ولا تصبح اتحادية لأنها تكتب ذلك في دستورها.
الدولة تصبح ديمقراطية واتحادية عندما يتحول الدستور إلى ممارسة، والحقوق إلى واقع، والشراكة إلى ثقافة سياسية.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم: ليس أن نثبت للعالم أن لدينا دستوراً ديمقراطياً اتحادياً، بل أن نثبت لأنفسنا أولاً أننا قادرون على احترامه وتطبيقه.