الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إصلاح الدولة العراقية .. من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل (5)

بواسطة azzaman

إصلاح الدولة العراقية .. من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل (5)

التعليم بين الشهادة والعمل

سامي العسكري

 

في الحلقة السابقة تحدثنا عن الوظيفة العامة والتقاعد والضمان الاجتماعي، وعن التحول الذي جعل الدولة رب العمل الأكبر، حتى أصبحت الوظيفة الحكومية في نظر قطاعات واسعة من المواطنين الطريق الأكثر أمناً إلى المستقبل. ولم يقتصر أثر ذلك على سوق العمل وحجم الجهاز الحكومي، بل امتد إلى التعليم نفسه، فأصبح اختيار التخصص والاندفاع نحو الجامعة مرتبطين، بصورة أو بأخرى، بالسعي إلى الوظيفة الحكومية وامتيازاتها.

وهنا تبدأ مشكلة أخرى من مشكلات الدولة العراقية: حين تصبح الوظيفة الحكومية هي العامل الأبرز في توجيه خيارات التعليم والتخصص، بدلاً من أن ترتبط هذه الخيارات بقدرات الطالب وحاجات الاقتصاد وسوق العمل.

ليس من الخطأ أن يسعى الطالب إلى التعليم الجامعي، ولا أن يأمل بعد تخرجه في الحصول على عمل. المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهادة الجامعية، بصرف النظر عن التخصص، الطريق الأكثر أماناً إلى الوظيفة الحكومية، وحين تتحول الوظيفة نفسها إلى حق ينتظره كل من أنهى تعليمه.

عندها يتغير السؤال الذي ينبغي أن يسبق اختيار التخصص. بدلاً من أن يسأل الطالب: ماذا أريد أن أتعلم؟ وما الذي يحتاجه الاقتصاد؟ وما المجال الذي يمكن أن أعمل وأبدع فيه؟ يصبح السؤال: أي شهادة ستساعدني في الحصول على وظيفة حكومية؟

وهكذا نشأ طلب اجتماعي واسع على التعليم الجامعي لا يرتبط دائماً بحاجات الاقتصاد أو بقدرات الطالب وميوله، وإنما بما تتيحه الشهادة من فرص في نظام التوظيف العام.

ولا يتوقف الأمر عند الحصول على الوظيفة. فبعد التعيين، يسعى بعض الموظفين إلى الحصول على شهادات أعلى من الشهادة التي عُيّنوا على أساسها، أملاً في الحصول على امتيازات وظيفية ومالية ترتبط بالمؤهل الجديد، حتى عندما يكون التخصص الجديد بعيداً عن طبيعة عملهم.

المشكلة هنا ليست في أن يواصل الموظف تعليمه، فهذا أمر محمود في ذاته، وإنما في نظام الحوافز الذي يكافئ الحصول على الشهادة بصرف النظر عن صلتها بالعمل أو حاجة المؤسسة إليها.

وهكذا يمكن أن تصبح الشهادة غاية في ذاتها، بدلاً من أن تكون وسيلة لرفع كفاءة الإنسان والمؤسسة.

الجامعة ليست الطريق الوحيد

ومن نتائج هذا النظام أن أصبح هناك شعور عام بأن كل من ينهي التعليم الثانوي ينبغي أن يجد مقعداً جامعياً، بغض النظر عن مستواه أو عن قدرة المؤسسة التي سيدخلها على توفير التعليم المناسب له.

لكن الجامعة ليست مقعداً دراسياً فقط. إنها أستاذ مؤهل، ومختبر، ومكتبة، ومناهج، وبنية تحتية، وبيئة علمية تسمح بالتعلم والبحث. فإذا كانت المؤسسة قادرة على تعليم عدد معين من الطلبة وفق المعايير المطلوبة، فإن مضاعفة أعداد المقبولين لا تجعلها قادرة على تقديم التعليم نفسه بالمستوى ذاته.

ليس من مسؤولية الجامعة أن تستوعب أعداداً تفوق طاقتها، وليس من مسؤولية الدولة أن تجد مقعداً جامعياً لكل خريج ثانوية بأي ثمن.

وليس من مسؤولية الدولة أن تجعل لكل خريج ثانوية مقعداً جامعياً، بصرف النظر عن قدراته وحاجة سوق العمل وقدرة المؤسسات التعليمية على استيعابه.

وهذا لا يعني تقليل فرص التعليم الجامعي، وإنما يعني أن يصبح التعليم الجامعي واحداً من مسارات متعددة، لا الطريق الوحيد إلى المستقبل.

التعليم المهني الذي نحتاجه

لعل أحد أبرز مظاهر الخلل هو التوسع في التعليم الجامعي على حساب الاهتمام بالتعليم المهني والتقني.

فقد أصبح التعليم الجامعي في الوعي الاجتماعي هو المسار الطبيعي، بل المسار الذي يمنح صاحبه المكانة والفرصة الأفضل في الحصول على الوظيفة الحكومية، بينما ينظر إلى التعليم المهني أحياناً بوصفه خياراً لمن لم يستطع الوصول إلى الجامعة.

وهذه نظرة ينبغي أن تتغير.

الاقتصاد لا يحتاج إلى حملة الشهادات الجامعية وحدهم. يحتاج إلى الطبيب والمهندس والاقتصادي، لكنه يحتاج أيضاً إلى الفني والكهربائي والميكانيكي وتقني المختبرات والصيانة والاتصالات والبناء والزراعة الحديثة وسائر المهن التي يقوم عليها الاقتصاد الحقيقي.

إن دولة لا تجد فنيين مؤهلين لصيانة منشآتها، أو تقنيين قادرين على تشغيل معداتها، أو عمالاً مهرة في الصناعة والبناء والزراعة، لا تستطيع أن تبني اقتصاداً منتجاً مهما ازداد عدد الجامعات فيها.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى تقليل التعليم الجامعي، وإنما إلى إعادة التوازن بين مسارات التعليم المختلفة، بحيث تصبح المهنة خياراً محترماً ومجزياً، لا بديلاً اضطرارياً لمن لم يدخل الجامعة.

عندما تفقد الشهادة معناها

غير أن مشكلة التعليم لا تتعلق فقط بعدد الجامعات أو بتوزيع الطلبة بين تخصصاتها، وإنما بجودة التعليم نفسه وبمدى صدق الشهادة في التعبير عن مستوى صاحبها.

لقد ساهم التراجع في التعليم الأساسي والثانوي، والتساهل في التعامل مع الطلبة، والتوسع في الاستثناءات والدرجات الإضافية، في اتساع الفجوة بين المعدلات التي يحصل عليها الطلبة ومستوياتهم الحقيقية. وقد وصل الأمر في بعض الحالات إلى معدلات تتجاوز المئة بالمئة.

وهنا تضعف وظيفة المعدل بوصفه مقياساً للتحصيل والمفاضلة بين الطلبة.

يمكن للدولة أن تمنح دعماً أو امتيازات لفئات ترى أنها تستحقها، لكن الأفضل أن يتم ذلك من خلال أدوات واضحة لا تشوه المقياس الأكاديمي نفسه.

فإذا كان المعدل يفترض أن يقيس التحصيل العلمي، ينبغي أن يبقى مقياساً واضحاً وعادلاً يمكن الاعتماد عليه.

الجامعة التي تفي بوعدها

ولا تقل أهمية عن ذلك جودة المؤسسات التعليمية نفسها.

ينبغي أن تخضع الجامعات الحكومية والأهلية والكليات والمعاهد إلى معايير أكاديمية صارمة تشمل كفاءة أعضاء الهيئة التدريسية، والمناهج، والمختبرات، والمكتبات، والبنية التحتية، والبحث العلمي، ونسب الطلبة إلى التدريسيين، وجودة المخرجات.

ولا ينبغي أن يكون الاعتماد مجرد إجراء إداري يمنح المؤسسة حق الاستمرار إلى ما لا نهاية.

ينبغي أن تُمنح المؤسسة التي لا تبلغ الحدود الدنيا المطلوبة فرصة محددة زمنياً لتحسين أوضاعها، فإذا عجزت عن ذلك، يجب أن يتوقف قبول طلبة جدد فيها.

قد يبدو القرار قاسياً، لكنه أكثر رحمة بالطالب من تركه يقضي أربع سنوات أو أكثر في مؤسسة غير مؤهلة، ثم يخرج منها بشهادة لا تمنحه المعرفة أو المهارة التي يحتاج إليها.

حق الطالب في التعليم لا يعني حق المؤسسة غير المؤهلة في أن تمنحه شهادة.

كما ينبغي ألا يكون هناك معياران للجودة، أحدهما للجامعة الحكومية والآخر للجامعة الأهلية. المعيار واحد: هل تستطيع هذه المؤسسة أن تقدم تعليماً يليق بالطالب وباسم التعليم العالي العراقي أم لا؟

التعليم وسوق العمل

المشكلة الأساسية إذن ليست في كثرة المتعلمين، وإنما في انفصال التعليم عن الاقتصاد والعمل.

فقد أصبح لدينا خريج جامعي يعمل في وظيفة لا علاقة لها بتخصصه، ومؤسسة تضم موظفين يحملون شهادات لا تحتاج إليها وظائفهم، وسوق عمل يبحث عن مهارات لا يجدها، وشباب يتنافسون على الوظيفة الحكومية لأن النظام التعليمي والاجتماعي أقنعهم بأن الشهادة هي الطريق إليها.

وهكذا انفصلت ثلاث حلقات كان يفترض أن تعمل معاً: التعليم، وسوق العمل، والاقتصاد.

ولا يمكن إصلاح واحدة منها بمعزل عن الأخريين.

نحن لا نحتاج إلى تعليم أقل، وإنما إلى تعليم أفضل وأكثر تنوعاً. ولا نحتاج إلى تقليل طموح الشباب في الوصول إلى الجامعة، وإنما إلى أن تصبح أمامهم مسارات متعددة ومحترمة يمكن أن تقود إلى العمل والإنتاج والاستقلال الاقتصادي.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول ربط التعليم بسوق العمل إلى إخضاع الجامعات بالكامل لمتطلبات السوق الآنية؛ فالجامعة ليست مؤسسة لتخريج الموظفين فقط، وإنما مؤسسة للمعرفة والبحث وبناء الإنسان. لكن ذلك لا يعفي الدولة من مسؤولية معرفة حاجات الاقتصاد وتوجيه سياساتها التعليمية بحيث لا تنتج أعداداً ضخمة من الخريجين في تخصصات لا يجدون فيها عملاً، بينما تعاني قطاعات أخرى نقصاً في المهارات.

من ضمان الوظيفة إلى بناء القدرة

لقد قلنا في الحلقة السابقة إن إصلاح الوظيفة العامة لا يعني التخلي عن المواطن، وإنما الانتقال من ضمان الوظيفة إلى ضمان المواطن.

والفكرة نفسها تنطبق على التعليم.

لا ينبغي أن يكون وعد الدولة للشاب: أكمل دراستك وسأجد لك وظيفة.

بل ينبغي أن يكون وعدها: سأوفر لك تعليماً جيداً، ومسارات تعليمية متعددة، ومؤسسات تخضع لمعايير حقيقية، وبيئة اقتصادية تسمح لك بأن تحول علمك ومهارتك إلى عمل.

عندها فقط نستطيع أن نخرج من الحلقة التي جعلت الشهادة وسيلة إلى الوظيفة، والوظيفة سبباً للاندفاع نحو الجامعة، والاندفاع نحو الجامعة سبباً لتوسيع القبول، وتوسيع القبول سبباً في تراجع الجودة، ثم يعود الخريج في النهاية إلى الدولة طالباً الوظيفة التي بدأ منها كل شيء.

إن إصلاح التعليم ليس زيادة عدد الجامعات، ولا رفع نسب النجاح، ولا زيادة أعداد الخريجين.

إصلاح التعليم هو أن نعيد للشهادة معناها، وللمهنة قيمتها، وللجامعة دورها، وللتعليم علاقته الطبيعية بالعمل والإنتاج.

وعندما ننجح في ذلك، يصبح التعليم أحد محركات إصلاح الدولة وبناء اقتصادها، بدلاً من أن يكون أحد المسارات التي تعيد إنتاج أزمتها.

 كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

 


مشاهدات 55
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/09/01 - 4:22 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 11:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1782 الشهر 1782 الكلي 16134303
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير