الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هاجه عبد الله أول بروفيسورة متخصصة في العراق.. طبيبة تزرع الأمل بأجساد أنهكها السرطان

بواسطة azzaman

هاجه عبد الله أول بروفيسورة متخصصة في العراق.. طبيبة تزرع الأمل بأجساد أنهكها السرطان

باسل الخطيب

 

هالها عدد المصابين الكرد بالأمراض السرطانية، لاسيما بعد فاجعة القصف الكيمياوي لحلبجة، وصدمها غياب أبسط المقومات اللازمة لعلاجهم في إقليم كردستان، فعقدت العزم على الإسهام بالتخفيف عن معاناتهم، وبدأت رحلتها من الصفر لتنحت بالصخر وتزرع الأمل في نفوس أنهكها المرض، كيف لا وهي ابنه تلك المدينة المنكوبة نفسها.

تحديات مبكرة

إنها الدكتورة هاجه عبد الله محمد أمين، التي اختارت منذ عام 2002، أن تجعل من معاناة المصابين بالأمراض السرطانية دافعاً لمسيرتها المهنية، لتبدأ رحلة قالت إنها كانت تسعى من خلالها إلى «عمل شيء جديد ومتميز».

وفي تلك المرحلة كانت السليمانية تضم أربع مستشفيات، هي الولادة، التعليمي، الأطفال والباطنية. ولم يكن هناك قسم متخصص أو ردهة أو طبيب لعلاج الأورام، لذلك كان أطباء الباطنية يتولون متابعة المرضى وإحالتهم إلى بغداد أو خارج البلاد عند الحاجة.

وفي عام 2003 أصبحت أول طبيب مقيم أقدم لمعالجة أورام السرطان وأمراض الغدد اللمفاوية والدم، وكانت تتنقل بين المستشفيات الأربع في السليمانية بحثاً عن مرضى السرطان لتقديم الرعاية الطبية لهم.

وبهذا الصدد تقول «بقيت ثمانية أشهر أعمل بمفردي من دون أن يساعدني أحد أو يوجهني وكنت أبحث عن المصادر العلمية في المكتبات بحثاً عن أي شيء مفيد لأن الانترنت لم يكن متاحاً حينها».

وتواصل، أنها بعد أشهر من ذلك الجهد «تواصلت عبر الرسائل البريدية مع البروفيسور خضير جاسم الرواق اخصائي معالجة الأورام والغدد والأشعة العلاجية والأدوية الكيميائية في بغداد فساعدني كثيرا»، وتتابع أن «قدوم البروفيسور المتخصص بأمراض السرطان والدم والغدد اللمفاوية أنور شيخة إلى السليمانية أواخر عام 2003 شكل دافعاً كبيراً لمسيرتي المهنية والعلمية».

من ست أسرّة إلى مستشفى هيوا

وتتذكر د. هاجه الظروف التي مرت بها قائلة «كنت أشرف على ردهة لا تضم سوى ستة أسرة من دون أي تجهيزات ضرورية»، وتوضح «كنت مضطرة لتحضير بعض العلاجات بنفسي في المرافق الصحية لعدم توافر مكان بديل معرضة نفسي لخطر استنشاق الغازات الضارة».

وتواصل في أواخر عام 2003 «طلبت من وزير الصحة الكردستاني افتتاح ردهة خاصة لمعالجة مرضى السرطان ومع تزايد عددهم تحولت الردهة عام 2006 إلى قسم يضم خمس غرف في المستشفى التعليمي القديم»، وتتابع بعدها «جاءت الخطوة الأبرز عام 2007 بمساعدة الدكتور أختر نجم الدين وزير التعليم العالي والبحث العلمي في إقليم كردستان آنذاك عندما جرى تحويل بناية كانت مخصصة لدائرة صحة السليمانية إلى مستشفى متخصص بأمراض السرطان أطلق عليها اسم هيوا أي الأمل لتصبح لاحقاً أحد أبرز المحطات في مسيرة تطوير علاج الأورام السرطانية».

مسيرة أكاديمية رائدة

لم تكتفِ د. هاجه بالعمل السريري، بل اتجهت إلى التخصص الأكاديمي لاسيما بعد استقرار البروفيسور أنور شيخة في السليمانية، حيث تقرر فتح دراسة متخصصة بأمراض السرطان والدم ومختبر للتشخيص، وتم بالفعل قبول 30 طالباً تم توزيعهم على تلك التخصصات، كانت هي من بينهم.

وفي عام 2005 انضمت د. هاجه إلى أسرة التدريس بكلية الطب في جامعة السليمانية، وفي عام 2007، حصلت على شهادة الماجستير لتكون بذلك أول امرأة في السليمانية وعموم إقليم كردستان تتخصص بأمراض السرطان والدم والغدد اللمفاوية، قبل أن تحصل على شهادة الدكتوراه عام 2019.

وخلال مسيرتها الأكاديمية أشرفت على مجموعة من طلبة الدبلوم والماجستير بهذا التخصص. كما أصبحت مشرفة على طلاب البورد الكردستاني للأمراض السرطانية، وتخرج على يدها مجموعة من أبناء الإقليم ومحافظات عراقية أخرى منها كركوك، نينوى، النجف وكربلاء.

وأسهمت د. هاجه عبد الله في نشر أكثر من 25 بحثاً في مجلات علمية محلية أو عالمية محكمة، وشاركت في العديد من النشاطات ذات الصلة بتخصصها منها على سبيل المثال لا الحصر، مؤتمرات للجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO) التي تعتبر المنظمة الطبية العالمية الأبرز لرعاية مرضى السرطان والأبحاث المتعلقة به، ومؤتمرات الجمعية الأوروبية للأورام الطبية (ESMO) وهي المنظمة المهنية الرائدة عالمياً في مجال طب الأورام وغيرها.

وكللت د. هاجه مسيرتها العلمية والأكاديمية بالحصول على لقب الأستاذية، في شهر آب/ أغسطس 2026، لتصبح أول امرأة على مستوى العراق وإقليم كردستان بهذا التخصص.

يذكر أن قوباد طالباني نائب رئيس حكومة إقليم كردستان، أشاد خلال استقباله د. هاجه عبد الله في 18/8/2026، بدورها الإنساني والعلمي الكبير، بمناسبة حصولها على أعلى مرتبة علمية في مجال أمراض السرطان، وكأول امرأة على مستوى العراق، معتبراً إياها نموذجاً مشرفاً للمرأة ولجميع الباحثين في العلوم الطبية، لتفانيها على مدى سنوات في خدمة المرضى وإعادة الأمل بالحياة لآلاف المصابين وعائلاتهم، مؤكداً أن اسمها بات يمثل رمزاً للثقة والأمل والاستمرار في الحياة.

الموت المحتم

وبشأن أسباب زيادة حالات الإصابة بالأمراض السرطانية، تقول د. هاجة إنها «ظاهرة عالمية وليست حكراً على إقليم كردستان أو العراق»، وتعزو ذلك إلى «تفاقم التلوث والإكثار من تناول اللحوم الحمراء والأكل غير الصحي والمشروبات الكحولية والتدخين وقلة الحركة وعدم ممارسة الرياضة فضلاً عن العوامل الوراثية».

وترى أن تشخيص الإصابة بالأمراض السرطانية «لا يعني الموت المحتم»، موضحة أن «التبكير باكتشاف الإصابة بالمرض يزيد من فعالية العلاج وفرص الشفاء».

وتؤكد على «إمكانية معالجة المصابين حتى من الدرجة الرابعة (المتقدمة) من المرض»، كاشفة عن أنها «ما تزال تعالج مصابين بتلك الحالة منذ أكثر من عشرين عاماً».

وبشأن أكثر أنواع السرطان انتشاراً تقول د. هاجة عبد الله إنها «سرطان الثدي والقولون والمستقيم والمعدة والبروستات».

ومن الحالات التي ما تزال عالقة في ذاكرتها تروي د. هاجه قصة عائلة منكوبة «أصيب فيها الأب بسرطان الرئة والأم بسرطان الثدي والابن بسرطان الخصية»، وتضيف أن المرض «انتشر لديهم جميعاً إلى الدرجة الرابعة وتوفوا خلال سنتين».

 آمال وطموحات

وبعد مسيرة مهنية امتدت على مدى أكثر من عقدين ترى د. هاجه أن تطوير علاج الأمراض السرطانية في إقليم كردستان «يتطلب زيادة عدد الأطباء المتخصصين وتأهيلهم علمياً وعملياً للحصول على تخصصات دقيقة بما في ذلك زراعة الثدي»، وتطمح إلى «إقامة مركز متخصص بمعالجة أمراض السرطان في حلبجة المدينة التي أنتمي إليها والتي ارتبط اسمها بواحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً وبشاعة».

وهكذا فإن رحلة البروفيسورة هاجه عبد الله محمد أمين (اسم هاجه أو  Hazha يعبر عن الطبيعة والجـــــــــــــــــــمال والحـــــــــــــيوية، نظراً لارتباطه بصوت شــــــــــــــــلالات المياه والأنهار المتدفقة)، لم تكن مجرد مســـــــــــــــــــاراً مهنياً، بل مثالاً للإصرار على تحدي العقبات والصعاب والتمسك بمواصلة العطاء، ورمزاً لـ»الثقة والأمل والاستمرار بالحياة».

 


مشاهدات 46
الكاتب باسل الخطيب
أضيف 2026/09/01 - 3:38 PM
آخر تحديث 2026/09/02 - 12:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 50 الشهر 1859 الكلي 16134380
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير