قراءة في أبعاد الأزمة العراقية و مسارات الإصلاح
محمد الجوراني
تشكل الأزمة العراقية الراهنة نموذجاً مركباً للأزمات البنيوية التراكمية ، تتداخل فيها المحددات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الخدمية و الثقافية في نسيج واحد .
و هي ليست أزمة ظرفية يمكن تجاوزها بقرارات آنية ، بل حصيلة عقود من سوء الإدارة و غياب التخطيط الإستراتيجي و تراجع فاعلية مؤسسات الدولة .
و يمكن توصيف هذه الأزمة بأنها أزمة دولة و مجتمع في آن معاً ، فهي من جهة أزمة مؤسسات تعاني من ضعف الحوكمة و غياب الكفاءة و الشفافية .
و من جهة أخرى أزمة مجتمع يعاني من تآكل النسيج الإجتماعي و تراجع الثقة بين المواطن و الدولة .
كما أنها في جوهرها أزمة تنموية ناتجة عن أختلال في توزيع الموارد و الثروات ، و أزمة هوية تسببت بها خطابات فرعية طغت على الخطاب الوطني الجامع .
أولاً : البعد السياسي و الإداري..يتجلى جوهر الخلل في هشاشة المنظومة القائمة على المحاصصة ، التي أدت إلى إضعاف مبدأ الكفاءة و تغليب الولاءات على حساب المصلحة العامة .
و قد ساهم الإستقطاب السياسي الحاد و التدخلات الخارجية في تعطيل مسار بناء الدولة ، مما أنعكس على إبطاء وتيرة الإصلاح المؤسسي ، و غياب الرؤية الموحدة لإدارة الدولة .
و في هذا السياق برز الفساد الإداري و المالي كأحد أبرز معوقات التنمية ، حيث أدى إلى هدر الموارد و تعطيل المشاريع الحيوية و تراجع ثقة المواطن بالمؤسسات .
ثانيا : البعد الإقتصادي و المالي يتمحور جوهر الإشكال في الريعية النفطية ، و الأعتماد شبه الكلي على إيرادات النفط ، التي تشكل أكثر من 90% من الموازنة العامة .
هذا الأعتماد الأحادي جعل الإقتصاد الوطني هشاً ، و عرضة للصدمات الخارجية ، و أدى إلى إهمال القطاعات الإنتاجية ، كالزراعة و الصناعة و السياحة .
و قد ترتب على ذلك إرتفاع معدلات البطالة المقنعة و الفعلية ، ولا سيما بين الشباب و خريجي الجامعات ، و إتساع رقعة الفقر في العديد من المحافظات .
و تفاقم الوضع في الآونة الأخيرة بظهور أزمة مالية هيكلية أنعكست بوضوح في تباطؤ إجراءات الصرف و تأخر رواتب عدد من الوزارات و المؤسسات الحكومية .
هذا التأخر لم يكن مجرد خلل فني ، بل مؤشر على عمق الخلل في إدارة السيولة و التخطيط المالي ، مما انعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين وزاد من أعباء الأسر المتعففة ، و أثر مباشرة على حركة الأسواق المحلية .
ثالثاً : البعد الإجتماعي
خلفت سنوات الصراع و النزوح و التهجير القسري ، شرائح واسعة من الأرامل و الأيتام و الأسر المتعففة التي فقدت مصادر رزقها و أستقرارها .
كما أدت البطالة و اليأس إلى هجرة الكفاءات العلمية و الأكاديمية ، في ما يعرف ب "نزيف العقول" ، مما أفرغ مؤسسات الدولة من الخبرات الوطنية اللازمة لعملية الإصلاح و البناء .
إضافة إلى ذلك تفاقمت ظواهر التفكك الأسري و تراجع قيم العمل و الإنتاج .
رابعاً : البعد الخدمي و البنى التحتية
لا تزال قطاعات الطاقة و المياه و الصحة و التعليم تعاني من قصور ملحوظ .
فشبكة الكهرباء الوطنية لا تلبي الطلب المتزايد ، و مشاريع المياه تواجه تحديات فنية و بيئية ، و القطاع الصحي يعاني نقصاً في الكوادر و التجهيزات و الأدوية ، في حين تعاني المدارس من الإكتظاظ و نقص الموارد .
و تعود أسباب هذا التدهور إلى ضعف التخطيط ، و غياب الصيانة و إنتشار الفساد في ملفات التعاقدات ، فضلاً عن الأزمة المالية التي أدت إلى تجميد أو تعطيل العديد من المشاريع الخدمية الحيوية .
خامسا : البعد الثقافي و المجتمعي..لم تسلم المنظومة القيمية من آثار الأزمة ، حيث أدت سنوات الصراع إلى تآكل قيم التسامح و التعايش ، و صعود خطاب يقوم على التمايز بدل الإندماج ، مما عمق الهوة داخل النسيج المجتمعي الواحد ، وأثر على الشعور بالمواطنة الجامعة .
كما ساهمت وسائل الإعلام و منصات التواصل ، في بعض الأحيان بتعميق الإنقسامات بدلاً من تعزيز قيم الوحدة .
سادسا : مسارات الإصلاح المفترضة
إن معالجة هذا الواقع المركب تتطلب مقاربة شمولية ، تقوم على عدة مسارات متوازية و متكاملة :
1)مسار الإصلاح السياسي و الإداري القائم على ترسيخ مبادئ الكفاءة و النزاهة و الشفافية ، و ًتفعيل دور الأجهزة الرقابية و القضائية المستقلة ، و الإنتقال من منطق المحاصصة إلى منطق البرامج و الكفاءات .
2)مسار الإصلاح الإقتصادي و المالي الذي يستهدف تنويع مصادر الدخل الوطني ، و معالجة الأزمة المالية عبر ترشيد الإنفاق و إعادة هيكلة النظام المصرفي ، وضمان إنتظام صرف الرواتب في مواعيدها ، بإعتبارها حقا مكتسباً و خطاً أحمر لا يمكن المساس به .
كما يجب دعم القطاع الخاص و الزراعة و الصناعة و إطلاق مشاريع إستراتيجية لتشغيل الشباب .
3)مسار إعادة إعمار البنى التحتية وفق جداول زمنية واضحة و موازنات معلنة ، مع إعطاء أولوية قصوى لقطاعات الكهرباء و المياه و الصحة و التعليم .
4)مسار المصالحة المجتمعية عبر تعزيز خطاب المواطنة و الوحدة و َنبذ التفرقة ، و تفعيل دور المؤسسات الدينية و العشائرية و المدنية و الأكاديمية في رأب الصدع .
إن مسار التواصل الميداني كجسر مهم لإستعادة الثقة ، من خلال زيارات المسؤولين للدواوين و الإستماع المباشر لمعاناة المواطنين و تقديم الدعم العاجل .
إن العراق يمتلك من المقومات الحضارية و البشرية و الطبيعية ما يؤهله للنهوض من جديد ، و الجراح و إن عظمت..فإنها قابلة للإلتئام بإرادة وطنية صادقة ، و تشخيص علمي دقيق و عمل مؤسسي متراكم .
فالعراق يستحق مستقبلاً يليق بتأريخه و حضارته العريقة ..!!