الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشباب ثروة ضائعة

بواسطة azzaman

الشباب ثروة ضائعة

ضرغام القاضي

 

يمثل الشباب الثروة الحقيقية لأي مجتمع، فهم القوة التي تحمل طموح المستقبل، والطاقة القادرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع، والطموحات إلى إنجازات. لكن هذه الثروة قد تتحول إلى طاقة معطلة عندما لا تجد فرص العمل المناسبة، ولا تجد البيئة التي تساعدها على الإنتاج والإبداع.

تُعد البطالة من أبرز التحديات التي تواجه العراق، ولا سيما بين فئة الشباب. ووفقاً لوزارة التخطيط، بلغ معدل البطالة في العراق 13.5بالمئة خلال عام 2024، فيما تشير تقديرات البنك الدولي المبنية على بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة بين الشباب بعمر 15–24 عاماً بلغ نحو 32 بالمئة في عام 2025. وهذه الأرقام تعكس حجم المشكلة وخطورتها على مستقبل شريحة واسعة من المجتمع.

فالشاب العراقي الذي يقضي سنوات طويلة في الدراسة، ويبذل جهداً للحصول على شهادة جامعية أو مهنية، يجد نفسه بعد التخرج أمام واقع صعب، يتمثل في قلة فرص العمل وارتفاع أعداد المتنافسين على الوظائف الحكومية، بينما لا يزال القطاع الخاص بحاجة إلى مزيد من التطوير حتى يكون قادراً على استيعاب هذه الطاقات.

وهنا تبرز مسؤولية الدولة في وضع سياسة اقتصادية واضحة للتعامل مع البطالة، لا تقوم على التوظيف الحكومي وحده، بل تعتمد على خلق فرص عمل حقيقية من خلال الاستثمار وتطوير القطاعات الإنتاجية.

فالعراق يمتلك إمكانات كبيرة في مجالات الزراعة والصناعة والسياحة والطاقة والتكنولوجيا، ويمكن لهذه القطاعات أن توفر آلاف فرص العمل للشباب إذا توفرت لها البيئة المناسبة والاستثمارات الجادة.

قروض ميسرة

كما أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يجب أن يكون جزءاً أساسياً من الحل، من خلال تقديم القروض الميسرة والتسهيلات القانونية والضريبية، وتوفير التدريب والإرشاد لأصحاب المشاريع. فكثير من الشباب يمتلكون أفكاراً ومهارات يمكن أن تتحول إلى مشاريع ناجحة، لكنهم يفتقرون إلى رأس المال والخبرة والبيئة الداعمة

ومن الضروري أيضاً تطوير التعليم وربطه باحتياجات سوق العمل. فلا يكفي أن نخرّج أعداداً كبيرة من الطلبة كل عام من تخصصات لا تتناسب مع احتياجات الاقتصاد، بل ينبغي التركيز على التخصصات المطلوبة، والتعليم المهني والتقني، والمهارات الرقمية واللغات والمهن الحديثة.

إن سوق العمل اليوم يتغير بسرعة، والاقتصاد العالمي يتجه نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمل الرقمي والمشاريع الريادية. ولذلك فإن تأهيل الشباب العراقي لهذه المجالات لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية.

ومن جانب آخر، فإن مكافحة المحسوبية والواسطة في التوظيف تمثل خطوة مهمة في معالجة المشكلة. فالشاب الذي يمتلك الكفاءة ويجد أن الوظيفة تذهب إلى شخص آخر بسبب العلاقات أو النفوذ، يفقد الثقة بقدراته وبالمؤسسات، وقد يبحث عن مستقبله خارج البلاد

والهجرة تمثل واحدة من النتائج المؤلمة لعدم استثمار الطاقات الشبابية. فحين لا يجد الشاب فرصة للعمل وتحقيق ذاته، قد يفكر في مغادرة وطنه بحثاً عن حياة أفضل، وبذلك يخسر العراق طاقات علمية ومهنية كان يمكن أن تسهم في بناء اقتصاده.

كما أن البطالة لا تؤثر في الجانب الاقتصادي وحده، بل تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع. فالعمل يمنح الإنسان الاستقلال والاستقرار والشعور بقيمة الذات، بينما يؤدي استمرار البطالة إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتأخير الاستقرار الأسري.

ولهذا يجب أن تكون قضية الشباب جزءاً أساسياً من أي برنامج حكومي أو خطة اقتصادية، وأن يتم التعامل معها باعتبارها قضية وطنية لا ملفاً ثانوياً.

ومن المهم كذلك إشراك الشباب أنفسهم في رســــم السياسات التي تخص مســـــــــتقبلهم، والاستماع إلى أفكـــــــــــــارهم ومقترحاتهم، وإعطــــــــاؤهم مساحة أكبر في المؤسسات الاقتصادية والمجتمعية، لأن من يعيش المشكلة هو الأقدر على وصفها واقتراح الحلول المناسبة لها.

مشروع ناجح

إن الدولة التي تستثمر في شبابها لا تستثمر في الحاضر فقط، وإنما تبني مستقبلها. فالشاب الذي يحصل على فرصة تعليم جيدة، ثم تدريب مناسب، ثم وظيفة أو مشروعاً ناجحاً، يتحول من شخص يبحث عن المساعدة إلى مواطن منتج يساهم في الاقتصاد ويدفع الضرائب ويخلق فرصاً لغيره.

والحل لا يكون بإعطاء الشباب وظائف فقط، بل بإيجاد اقتصاد قادر على خلق فرص مستدامة. وهذا يتطلب تنشيط القطاع الخاص، وتشجيع المستثمرين، وتسهيل الإجراءات، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للأعمال، ومحاربة الفساد والهدر، وتوجيه الإنفاق العام نحو المشاريع المنتجة.

إن العراق لا يعاني من نقص في الشباب ولا في الموارد، وإنما يحتاج إلى إدارة أفضل لهذه الطاقات والموارد.

فالثروة النفطية يمكن أن تكون وسيلة لبناء اقتصاد متنوع، والشباب يمكن أن يكـــــــــــــونوا القوة التي تقود هذا الاقتصاد إذا حصلوا على الفرصة المناسبة.

لقد آن الأوان للانتقال من سياسة انتظار الوظيفة إلى سياسة صناعة الوظـــــــــــــــيفة، ومن الاعتماد الكامل على الدولة إلى شراكة حقــــــــــــــــيقية بين الدولة والقطاع الخاص والشباب.

فالشباب العراقي لا يريدون الشفقة ولا الوعود المؤجلة، وإنما يريدون العدالة والفرصة. يريدون أن يشعروا بأن شهاداتهم ومهاراتهم وطموحاتهم لها مكان في وطنهم.

الشباب ثروة لا تُقاس بالأموال، وإنما بما يستطيعون أن يقدموا لوطنهم. وإذا لم نستثمر هذه الثروة اليوم، فقد ندفع غداً ثمناً باهظاً لضياعها.

إن مستقبل العراق مرتبط بمستقبل شبابه، وحين يحصل الشباب على العمل والفرصة، فإن العراق كله يحــــــصل على فرصة جديدة للنهوض والتقدم.


مشاهدات 55
الكاتب ضرغام القاضي
أضيف 2026/09/01 - 4:22 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 11:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1787 الشهر 1787 الكلي 16134308
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير