الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
موازنة 2027.. ليس كم ننفق بل ماذا نغيّر؟

بواسطة azzaman

موازنة 2027.. ليس كم ننفق بل ماذا نغيّر؟

أسامة أبو شعير

 

ماذا لو بدأ إعداد موازنة العراق 2027 بسؤال مختلف؟ ليس: كم تحتاج الكهرباء والصحة والتعليم والزراعة؟ بل: ما أهم قيد يمنع كل قطاع من تحقيق النتيجة التي يحتاجها العراق، وكم يكلفنا إزالته؟ يأتي السؤال في وقت بدأ فيه العراق الانتقال تدريجياً نحو موازنة البرامج والأداء. وهذا اتجاه مهم، لكن يمكن البناء عليه بخطوة أخرى: إذا كنا سنربط الإنفاق بالنتائج، فلماذا لا نحدد أولاً ما الذي يمنع تحقيق النتيجة، ثم نجعل إزالة هذا القيد جزءاً من قرار التخصيص؟

أقترح لذلك نموذجاً يمكن تسميته «موازنة القيود والنتائج» (Constraints & Outcomes Budgeting). وهو لا يستبدل موازنة البرامج والأداء، بل يضيف إليها حلقة بين الهدف والإنفاق: هدف وطني ← خط أساس ← قيد ملزم ← تدخل ← تخصيص ← نتيجة ← مساءلة. والفكرة مستمدة من «نظرية القيود»: زيادة الموارد في أجزاء النظام لا تضمن تحسن النتيجة إذا بقي الاختناق الرئيسي. والسؤال في اقتصاد مثل العراق ليس فقط كيف ننفق أكثر، بل أين يحقق الدينار التالي أكبر أثر؟

تنويع اقتصادي

وتزداد أهمية ذلك مع حجم الاحتياجات التنموية. فخطة التنمية الوطنية 2024–2028 تضع التنويع الاقتصادي والقطاع الخاص ورأس المال البشري والإصلاح المالي والإداري والقطاعات الإنتاجية ضمن الأولويات، فيما يبلغ سكان العراق نحو 46 مليون نسمة مع ثقل كبير للفئات الشابة. العراق، إذن، لا يفتقر إلى الأهداف بقدر حاجته إلى تقوية الجسر بين الهدف والمال والنتيجة. خذ الكهرباء مثالاً. يمكن تخصيص الأموال لزيادة التجهيز، لكن ما القيد؟ هل هو التوليد، أم الغاز، أم النقل، أم التوزيع، أم الفاقد والجباية؟ فإذا كان الاختناق في الشبكة، فإن إضافة قدرة توليدية قد تزيد الإنفاق دون أن تزيد الكهرباء الواصلة للمواطن بالنسبة المتوقعة. ويمكن اختبار النموذج في منطقة محددة: نعلن خط الأساس للفاقد، والمستهدف والمدة والكلفة، ثم نسأل بعد التنفيذ: هل تحرك القيد؟ وبأي كلفة؟ وهل تحسنت النتيجة؟ والمنطق نفسه ينطبق على التعليم والصحة والزراعة؛ فالمدرسة والمستشفى ومحطة الكهرباء مدخلات، أما التعلم والصحة والطاقة الموثوقة والإنتاج فهي النتائج.

لكن إزالة قيد قد تخلق قيداً أكبر في مكان آخر. فزيادة استيراد الغاز قد تحسن الكهرباء لكنها تزيد الطلب على العملة الأجنبية وانكشاف أمن الطاقة؛ وزيادة استخدام المياه للزراعة قد ترفع الإنتاج اليوم على حساب الأمن المائي؛ والتوظيف الحكومي قد يخفف البطالة مؤقتاً بينما يزيد ضغط الرواتب. لذلك أقترح «اختبار الأثر المتبادل» قبل التدخلات الكبرى: ما القيد الذي نزيله؟ ماذا قد نفاقم في المقابل؟ وما صافي الأثر خلال عدة سنوات؟ الأولوية لما يحقق أكبر أثر صافٍ بأقل كلفة منقولة إلى بقية الاقتصاد. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في ربط بيانات المالية والتخطيط والوزارات والمحافظات، واكتشاف الاختناقات، ومحاكاة السيناريوهات، والتنبيه عندما يتحرك الإنفاق بينما لا تتحرك النتيجة. لكنه لا يقرر الأولويات؛ فالذكاء الاصطناعي يساعد الدولة على رؤية النظام والتعلم من قراراتها، ولا يتخذ تلك القرارات نيابة عنها.

كما لا ينبغي للوزارة أن تنفرد بتعريف القيد الذي يجلب لها التمويل؛ بل يكون فرضية مثبتة بالبيانات، تتحقق منها المالية والتخطيط، مع إعلان خط الأساس والمستهدف قبل الصرف.

والقيود لا تحترم حدود الوزارات. فبطالة الشباب، مثلاً، تتقاطع فيها التربية والتعليم العالي والعمل والاستثمار والقطاع الخاص. وهنا يمكن إدارة «القيد الوطني المشترك» بقيادة المالية والتخطيط وارتباط بمجلس الوزراء، مع مسؤول واضح عن النتيجة حتى عندما يتوزع التنفيذ بين عدة جهات.

وتقدم نيوزيلندا درساً مفيداً: ففي «موازنة الرفاه» لعام 2019 دفعت الحكومة المؤسسات إلى العمل عبر حدودها التقليدية، وفي معالجة العنف الأسري والجنسي تحملت عشر جهات حكومية مسؤولية مشتركة ضمن حزمة متكاملة. الدرس ليس استنساخ التجربة، بل أن المشكلة المشتركة تحتاج نتيجة مشتركة ومسؤولية واضحة.

مؤشر مبكر

وهنا يصبح القياس حاسماً. أقترح أن يصاحب كل قيد رئيسي سجل من خمسة عناصر: خط الأساس، المستهدف، الزمن، الكلفة، والنتيجة الفعلية. بعض مؤشرات الكهرباء والجباية والفاقد يمكن متابعتها شهرياً أو ربع سنوياً، بينما تحتاج نتائج التعليم والصحة إلى سنوات ورأس المال البشري إلى أفق أطول. لذلك نفرق بين مؤشر مبكر يخبرنا هل يتحرك القيد، ونتيجة نهائية تخبرنا هل تغير واقع المواطن.

والخبرة الدولية تحذر في الوقت نفسه من كثرة المؤشرات وربط التمويل آلياً برقم واحد، لأن المؤسسة قد تتعلم تحسين الرقم بدلاً من تحسين الواقع. العراق يحتاج مؤشرات قليلة قابلة للتحقق، لا بيروقراطية جديدة للقياس.

ويبقى البرلمان أساسياً.

فالموازنة قرار سياسي ودستوري، ولا يحل نموذج فني محل ذلك. لكن يمكن أن ترافق كل أولوية كبرى لوحة من صفحة واحدة أمام النواب: القيد | خط الأساس | المستهدف | التخصيص | النتيجة المحققة. عندها يبقى للنائب حق السؤال عن حصة محافظته، لكن يضاف سؤال آخر: ماذا ستغير هذه الحصة؟ وإذا أضيف مشروع أثناء المناقشة، نسأل: أي قيد يزيل، وما النتيجة التي سيحققها؟

أما التطبيق فينبغي أن يكون تدريجياً، لأن التحدي ليس تقنياً فقط بل مؤسسياً. فإذا رأت الوزارات النموذج كطبقة رقابية جديدة ستتعلم استكمال نماذجه شكلياً. لذلك يبدأ في قطاعات ومناطق محددة، مع تحسين البيانات وبناء القدرات ومنح مرونة أكبر للجهات التي تثبت نتائجها. والفشل الأول لا ينبغي أن يؤدي تلقائياً إلى العقوبة، بل إلى سؤال: هل أخطأنا في التنفيذ أم في تشخيص القيد نفسه؟ فجوهر النموذج هو بناء موازنة تستطيع أن تتعلم من نتائجها.

قد تكون موازنة 2027 فرصة لاختبار ذلك. فالعراق بدأ الانتقال من موازنة البنود إلى موازنة البرامج والأداء، ويمكن أن تكون الخطوة التالية إضافة سؤال القيد واختبار أثر إزالته. عندها تصبح المعادلة: هدف وطني ← خط أساس ← قيد مثبت بالأدلة ← اختبار الأثر المتبادل ← مسؤول عن النتيجة ← تخصيص ← قياس ← تعلم ومساءلة. وإذا أثبت التطبيق التجريبي جدواه، فقد يبدأ تغيير أحد أقدم أسئلة الموازنة العراقية: من كم أخذت كل وزارة؟ إلى سؤال أصعب وأكثر أهمية: أي قيد أزلنا، وبأي كلفة، وماذا تغير للعراقيين لأننا أنفقنا هذا المال؟

 

 


مشاهدات 79
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/08/30 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/08/31 - 2:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 178 الشهر 41220 الكلي 16130924
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير