الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حكاية حب في ظل حرب 

بواسطة azzaman

قصة قصيرة

حكاية حب في ظل حرب 

هدير الجبوري

 

حدقت (سهير) بوجهها مراراً في المرآة قبل خروجها من المنزل

 وقد أخذتها خطواتها الواثقة بكعبها العالي الذي كانت

تزهو به ويزين قدميها الصغيرتين.. لم تتجاوز العشرين من عمرها وتعمل في بنك أهلي صغير قريب من منزلها..

إنطلقت صوب  الشارع الذي كان يبدو فارغاً أمامها مع بدء يوم خريفي غائم توحي نسماته بقرب حلول الشتاء ..

كانت  ترتدي كنزة خفيفة وشعرها القصيربشكله المميز يضفي عليها جمالاً مضاعفاً..

تقدمتها في السيرفي نفس الشارع أمراة متوسطة العمرلاتعرف أسمها لكنها تراها بأستمرار ...

وكانتا تسيران معاً بخطوات متقاربة وتحثان الخطى صوب تجمع الباصات الصباحية لتنطلق كل منهما صوب وجهتها..

ظلت المرأة  تسابق سهير بالسير وفي هذا الأثناء  رأته من بعيد قادماً  يحدق بها من خلف زجاج سيارته الحمراء الصغيرة وهو متجه نحوها...

 هو ذاته الشخص الذي لم تكن تعرف من هو بالتحديد لكنه يلاحقها بنظراته كلما ألتقاها وكأنه على موعد معها..

ترى كيف يعرف وقت خروجي لينتظرني؟؟ هذا ماكانت تحدث سهير نفسها به ..

يظهر فجأة أمامها ويجعل خطواتها ترتبك وتخونها قدماها وتكاد تخذلها  وتبدأ ساقاها بالسير بسرعة وكأنها تهرب منها..

حدثت نفسها قائلة : هو جارنا حتماً ..ربما هو جارنا ؟؟ لأنه يظهر لها من آخرالشارع الذي تسكن فيه كل مرة ..

 وصلت الى الموقف المخصص لوقوف الباصات حيث  يتجمع فيه المارة ليذهب كل منهم صوب المكان الذي يريد ...وكان الكل ينظر لها بإعجاب وفضول ونظرات متسائلة عن وجهة هذه الفتاة الصغيرة كل صباح ..هل هي طالبة أم موظفة 

وكانت تتحدى بمشيتها الواثقة فضولهم ونظراتهم  المتفحصة لها وفي داخلها تشعر بالزهو..

لا أحد يعلم من هي وما الذي يقف خلف كبرياءها الملحوظ رغم صغر سنها .

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 أستقلت أخيراً إحدى الباصات الصغيرة القديمة التي ظل بابها مشرعاً مع حركة صعود ونزول راكبيها .

وظلت تحدق من خلف زجاج النافذة على السيارات التي تسير قرب الباص وأحتمت بهذا الزجاج عندما لمحته يتبعها بسيارته وظلت تساءل نفسها لماذا يلاحقها

 وهل هو حقاً معجب بها وماذا يبتغي من هذه الملاحقة أسئلة كثيرة ظلت تدور برأسها الصغير طوال الطريق الذي انتهى  بإحدى المحطات حيث طلب سائق المركبة من الركاب ان يسرعوا بالنزول لأنه نهاية الخط لسير مركبته..

 تأهبت للنزول كما فعل الجميع ووجدته امامها وقد ترجل من سيارته وأصبح أمامها مباشرة

يقول لها بثقة كانه يعرفها منذ زمن  _ صباح الخير_ تلعثمت ولم تعلم ما تقول ,,,,,

خفضت عيناها كي لا تلتقي بنظراته المتسائلة وعرفت اخيراً من يكون فقد سمعت أن أسمه فهد من بعض جاراتها المعجبات به لكنها لم تلتقيه إلا اليوم

عندما اقترب منها ورفعت رأسها ورأت وجهه عن قرب

تشبثت بصمتها لثواني لكنها وجدت ان من غير اللائق ان لا تجيبه على سلامه بعد ان عرفته

فأجابت  بصوت مرتجف يكتنفه الحياء :

 صباح النور _

وجرت مسرعة وعبرت الشارع لتلحق بباص آخر تكمل معه وجهتها صوب مكان عملها ..

وتكررمشوارها باليوم الثاني كما الاول وخرجت الى الشارع ذاته ولم تجدهُ امامها كأنه اختفى وبقيت على هذا الحال يوم ويومان وثلاث ولم يظهر .

تساءلت مع نفسها

هل كان حلماً يا ترى وانقضى ؟ _

_هل كان مناماً أفقت منه على لا شيء؟

 وبعد مضي ثلاثة أسابيع من الاختفاء ظهر

من جديد ينتظرها آخر الشارع كما رأته أول مرة .

لماذا يظهر بعد كل تلك الفترة التي مضت كانه كان مختفياً؟ هذا السؤال حيرها لكنها وجدت له أجابة فيما بعد

كانت هناك حرباً مشتعلة مع دولة مجاورة وهو حتماً أحد جنود أو ضباط هذه الحرب المقيتة هذا ماتوصلت أليه وهو السبب باختفاءه وعودته  ..

عندما رأته أول مرة لم يكن يرتدي بزته العسكرية لكنه اليوم ظهر أمامها بزي عسكري أنيق يتحدى الوقت وطول الانتظار وكبرياء الشباب الذي كان مزهواً بنجمتين ذهبيتين تراقصت فوق كتفيه ..

جعلها هذا المنظر تشعر بالزهو يملؤها وهي تنظر صوب بزته العسكرية وتتحاشى النظر لوجهه .

كانت سهيرمحط انظار الجميع ومثار اعجابهم

لكنها لم تعد تبالي بهذا كلهُ وكل مااصبح يعنيها أن تكون محط اعجابه هو فقط  .

مشاعرها النقية البريئة الصافية كانت أصغر من أن تدرك ما ستفعله الاقدار بها وبفهد.

-افتقدتك:

 قالتها بصمت بنظراتها,,, المتلهفة البريئة صوبه

لكنه اجابها بصوت مسموع وأستدرك:

_أنا ايضاً

لقد اتيت وانتظرتكِ على عجل_

ولم اذهب لأرتدي ملابسي المدنية خوفاً من ان تذهبي وتضيع مني فرصة الحديث معك .

كان صوت السيدة يعلو من سيارته الصغيرة ووصل لأسماعها وهي تشدو قائلةً:

( يابعيد الدار عن عيني ومن  قلبي  قريبا) .

وأصبحت بعد سماعها مدمنة هي الأخرى على سماع صوتها والانصات لكل كلمة تشدو بها وكأنها كتبت لها وكانت تتراقص مع انغامها .

وانقضت أشهر كانت كل بضعة أيام منها أشبه بحلم بالنسبة لسهير .

وظلّ الحلم بريئاً اقتصر على تبادل الرسائل المختصرة يخبئها كلاهما للآخر عند لقاؤهما في الشارع ذاته عند عودته بأجازته الدورية ..

كان صوت منبه سيارته المميز يصل لأسماعها وهو يمر في الشارع متعمداً كي تنتبه انه عاد بأجازته  وتطل من باب الدار وتراه وهو يمر من أمامها..

  ومضت أشهر طويلة وهما على هذا الحال وكلاهما

يخاف على الاخر من أعين الاخرين وتربصهم لأجهاض الحلم ..

   وكتب يحدثها في آخر رسالة عن حلمه بأن يكونا مع بعض للأبد

 وعن عزمه أنه سيحقق هذا الحلم لكليهما

 أعوامهاالصغيرة لم تحتمل هذه الفرحة التي ظنت

أنها ستدوم ويتحقق الحلم المنشود .

بل تصورت ان القدر الذي جمعها به لن يقف أبداً امام احلامهما,,,,

لكن الحلم سرعان ماتم أجهاضه للأبد قبل أن يتحقق

فهناك بالقرب كان يقف المتربصين خلف الابواب المغلقة... وأنتهت حكاية سهير وفهد وأغتال الزمن كل حلم كان يعلو بهما صوب السماء..


مشاهدات 29
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/08/29 - 2:40 AM
آخر تحديث 2026/08/29 - 3:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 240 الشهر 38027 الكلي 16127731
الوقت الآن
السبت 2026/8/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير