حين تصنع الجاذبية نفوذاً.. قطر ونموذج القوة الناعمة
علاء العاني
ربما يكون هذا السؤال واحداً من أكثر الأسئلة إثارة في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بعدد الجنود، وحجم الترسانة العسكرية، واتساع الجغرافيا، أو حجم الاقتصاد، وإنما بما تستطيع الدولة أن تصنعه من جاذبية وتأثير وثقة وحضور في محيطها الإقليمي والدولي.
لقد تغيرت قواعد القوة في عالمنا بصورة لافتة. فإلى جانب القوة الصلبة التي تستند إلى أدوات الإكراه، وفي مقدمتها القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية، برزت القوة الناعمة باعتبارها قدرة على التأثير من خلال الجاذبية والإقناع، وجعل الآخرين أكثر استعداداً للتعاون والتفاعل مع الدولة وسياساتها. ومنذ أن صاغ عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي مفهوم «القوة الناعمة» عام 1990، تحول المصطلح إلى واحد من أكثر المفاهيم تداولاً في الدراسات السياسية والعلاقات الدولية. فالدولة لا تحتاج دائماً إلى أن تفرض إرادتها كي تؤثر في الآخرين ،إذ يمكنها أحياناً أن تحقق ما تريد من خلال أن تجعل الآخرين يرغبون في الاقتراب منها، والاستماع إليها، والثقة بدورها.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في القوة الناعمة، أن الدولة قد تكون أكثر تأثيراً حين تقل حاجتها إلى استخدام القوة لإثبات قوتها. ولم تعد القوة الناعمة محصورة في الثقافة والفنون والتعليم، بل أصبحت منظومة واسعة تمتد إلى الأداء الاقتصادي والاجتماعي، والإعلام، والدبلوماسية، والمساعدات الإنسانية، والسياسات الخارجية، والوساطة في النزاعات، والرياضة، وتنظيم الأحداث العالمية، وحتى الصورة التي تنجح الدولة في رسمها عن نفسها في وعي الآخرين.
وفي هذا السياق، تأتي تجربة دولة قطر باعتبارها نموذجاً جديراً بالتأمل والدراسة،ليس لأنها الدولة الأكبر مساحة أو سكاناً، وإنما لأنها استطاعت خلال العقود الأخيرة أن تبني لنفسها حضوراً دولياً يتجاوز بكثير حدود جغرافيتها.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب الباحث الدكتور إياد الكعود، الموسوم «توظيف القدرات الناعمة للدولة – قطر نموذجا-، الذي يقدم قراءة بحثية في واحدة من أكثر التجارب العربية إثارة للاهتمام في مجال توظيف القوة الناعمة وتحويلها إلى أدوات نفوذ وحضور دولي.
والكتاب هو الإصدار الثالث للمؤلف في هذا المجال، فقد سبقه كتابه «دور القوى الناعمة في تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية»، ثم كتاب «المنطلقات الفكرية في صياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية»، ليأتي هذا الإصدار امتداداً لاهتمامه البحثي بقضايا السياسة الخارجية والقوة وأدوات التأثير في العلاقات الدولية.
قوة ناعمة
ويقع الكتاب في 268 صفحة من القطع الكبير، بطباعة أنيقة تولتها دار الذاكرة للنشر والتوزيع في عمّان – المملكة الأردنية الهاشمية.
ويحاول المؤلف من خلال أربعة فصول أن ينتقل بالقارئ من المفهوم إلى التطبيق،فيبدأ الفصل الأول بتأصيل مفهوم القوة الناعمة، وأنواعها وأشكالها ومستوياتها واستراتيجيات توظيفها في العلاقات الدولية، فيما يتناول الفصل الثاني المقومات التي تستند إليها القوة الناعمة في دولة قطر.
أما الفصل الثالث فيركز على الأدوات التي توظفها قطر لتفعيل قدراتها الناعمة، بينما يخصص الفصل الرابع لاستعراض كيفية استثمار هذه الأدوات في سياق علاقاتها الخارجية، من خلال الحضور في المنظمات الدولية، والمساهمات المالية والإنسانية، والدبلوماسية، والوساطة، والمشاركة في معالجة الأزمات الإقليمية والدولية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة القطرية هو تعدد أدوات التأثير وتكاملها، فالإعلام إلى جانب الدبلوماسية، والرياضة إلى جانب الاقتصاد، والثقافة إلى جانب الوساطة، كلها تتحرك في فضاء واحد لتشكيل صورة الدولة وتعزيز قدرتها على الحضور والتأثير.
وقد استطاعت قطر أن تجعل من الوساطة والحوار أحد أبرز وجوه حضورها الخارجي، وهو ما يمنح مفهوم القوة الناعمة في التجربة القطرية بعداً يتجاوز الصورة الإعلامية أو الثقافية إلى ممارسة سياسية مباشرة.
ويقدم التطور الأخير في مسار الأزمة الأمريكية – الإيرانية مثالاً مهماً في هذا السياق، فقد دعمت قطر مسار الوساطة الذي قادته باكستان، وأسهمت في الاتصالات وتقريب وجهات النظر، قبل التوصل إلى اتفاق بشأن مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026. وقد رحبت الدوحة بالاتفاق الذي تناول قضايا من بينها وقف العمليات العسكرية وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أهمية الحوار والوسائل السلمية في معالجة الخلافات.
وهذه الواقعة تكشف جانباً مهماً من فلسفة القوة الناعمة، أن النفوذ لا يعني بالضرورة أن تكون الدولة طرفاً في الصراع، بل قد يعني أن تكون قادرة على فتح الأبواب المغلقة بين أطراف الصراع.
ومن هنا فإن قيمة الكتاب لا تنحصر في تقديم التجربة القطرية، بل تمتد إلى إثارة سؤال عربي أكبر،لماذا استطاعت بعض الدول أن تحول إمكاناتها المحدودة إلى نفوذ واسع، بينما بقيت دول أخرى تمتلك مقومات هائلة عاجزة عن تحويلها إلى تأثير حقيقي؟
صناعة صورة
إن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ، والثروة وحدها لا تصنع المكانة، والقوة العسكرية وحدها لا تضمن القدرة على الإقناع. فهناك عنصر آخر أكثر هدوءاً، لكنه بالغ الفاعلية، يتمثل في المصداقية، وحسن إدارة العلاقات، والقدرة على بناء الشراكات، وصناعة الصورة، وامتلاك أدوات التواصل مع الآخر.ولذلك فإن القوة الناعمة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بديلاً مطلقاً عن القوة الصلبة، وإنما باعتبارها مكملاً لها وأحد أهم أدوات الدولة الحديثة في بناء النفوذ. وقد تكون أحياناً أقل كلفة وأكثر استدامة، لأنها لا تعتمد على إخضاع الآخر وإنما على إقناعه بأن التعاون يخدم مصالحه أيضاً.
وإذا كان الكتاب قد اختار قطر نموذجاً، فإن السؤال الذي يخرج به القارئ يتجاوز قطر إلى العالم العربي بأسره،
ماذا لو استطاعت الدول العربية أن تنظر إلى ما تمتلكه من ثقافة وحضارة وإرث تاريخي وثروات بشرية واقتصادية وإمكانات إعلامية ورياضية وإنسانية، باعتبارها مصادر للقوة والتأثير، لا مجرد عناصر متفرقة؟
إن المنطقة العربية لا تعاني نقصاً في عناصر القوة، بقدر ما تعاني أحياناً من ضعف القدرة على تحويل عناصر القوة إلى نفوذ، وتحويل النفوذ إلى دور، وتحويل الدور إلى تأثير مستدام.
وهنا تأتي أهمية هذا الكتاب؛ فهو لا يكتفي بشرح مفهوم أكاديمي أصبح جزءاً أساسياً من قاموس العلاقات الدولية، وإنما يضع أمام القارئ تجربة عربية تستحق القراءة والنقاش، ويمنحه فرصة للتأمل في كيفية انتقال دولة من هامش الجغرافيا إلى مساحة واسعة من التأثير.
إن عالم اليوم لا ينصت دائماً إلى الأقوى صوتاً، وإنما ينصت في أحيان كثيرة إلى الأكثر قدرة على الإقناع.
وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من كتاب «توظيف القدرات الناعمة للدولة – قطر نموذجاً-أن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بما تستطيع أن تفرضه على الآخرين، وإنما أيضاً بما تستطيع أن تجعل الآخرين يقتنعون به، ويتعاونون معه، ويثقون بدوره.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو القوة الناعمة مجرد أداة من أدوات السياسة الخارجية، بل تبدو أقرب إلى فن صناعة المكانة في عالم تتغير فيه خرائط النفوذ، وتتراجع فيه الحدود بين السياسة والإعلام والاقتصاد والثقافة والرياضة.
ولعل السؤال الذي يتركه الكتاب مفتوحاً أمام القارئ العربي هو الأهم،
هل نملك في عالمنا العربي من عناصر القوة الناعمة ما يكفي لصناعة نفوذ يليق بحجم تاريخنا وثقافتنا وإمكاناتنا؟ أم أن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك القوة، وإنما في معرفة كيف نوظفها؟