محمد حسين كمر ونصير شمّه.. صداقة بدأت من مقاعد الدراسة وإستمرت مع الموسيقى
بغداد - عبدالله السامرائي
في تاريخ الموسيقى العراقية، هناك علاقات لا تُختصر بكلمة (زمالة)، لأن السنوات والمواقف والعمل المشترك تجعلها أقرب إلى حكاية إنسانية وفنية طويلة. ومن هذه العلاقات الجميلة علاقة الموسيقار محمد حسين كَمَر بالموسيقار وعازف العود نصير شَمّه، علاقة بدأت من أجواء معهد الدراسات النغمية في بغداد، ثم تحولت مع مرور السنوات إلى صداقة وزمالة وأخوّة فنية وإنسانية.
محمد حسيـــــن كَمَر، المولـود في ديالى عام 1959، هــــو أكاديمــــي ومؤلـــــف موســيقي وملحـــــن وعــــازف على آلة الجوزة، وأحـــد الأســماء التــــــي كرّســــت جـــزءًا كبيرًا من حياتها لخدمة المقام العراقي وتوثيقه وتعليمه. بدأ دراسته في معهد الدراسات النغمية عام 1975، وتخرج منه عام 1981، ثم واصل مسيرته الأكاديمية والفنية، وعمل أستاذًا للنظريات الموسيقية والجوزة، قبل أن يكمل دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في العلوم الموسيقية.
أما نصير شَمّه، المولود في مدينة الكوت عام 1963، فقد اختار العود طريقًا لحياته. درس في معهد الدراسات النغمية في بغداد وتخرج عام 1987، وأصبح لاحقًا واحدًا من أشهر عازفي العود العراقيين والعرب، وامتدت تجربته إلى العالم من خلال الحفلات والتأليف والتدريس، فضلًا عن تأسيسه بيت العود العربي في مصر عام 1999 وفروع أخرى لاحقًا.
لكن ما يجمع الرجلين أعمق من اختلاف الآلتين، فالعلاقة بينهما تعود إلى عام 1983. في ذلك الوقت كان كَمَر أستاذًا في المعهد، وكان نصير شَمّه طالبًا يتلقى منه دروسًا في النظريات الموسيقية والصولفيج والإملاء. وهنا بدأت واحدة من العلاقات التي رافقت الاثنين لسنوات طويلة، ولم تتوقف بانتهاء الدراسة، وبعد ذلك بسنوات قليلة، تحولت العلاقة الأكاديمية إلى عمل فني مشترك. ففي عام 1985 أسس محمد حسين كَمَر فرقة الخماسي النغمي في المعهد، وكان شَمّه أحد أعضائها، وشارك معه في عدد من المهرجانات. وهكذا لم يعد شمة بالنسبة إلى كَمَر مجرد طالب سابق، وإنما أصبح زميلًا يشاركه المسرح والموسيقى والتجربة الفنية. واللافت أن كَمَر نفسه تحدث عن علاقته بشَمّه بكلمات تحمل الكثير من الود، فوصفه بأنه فنان وإنسان مهذب وخلوق، وقال إن علاقتهما استمرت منذ عام 1982، وإن العلاقة العائلية بينهما بقيت طيبة، واصفًا إياهما بأنهما زملاء وأخوة. كما عبّر عن اعتزازه بنصير ودوره في نشر الموسيقى العراقية ورفع اسم العراق في المحافل الدولية.
طريق موسيقي
وهنا تظهر قيمة هذه الصداقة، لأن كل واحد منهما اختار طريقًا موسيقيًا مختلفًا، لكن الجذر واحد. كَمَر ذهب عميقًا في عالم المقام العراقي والجوزة والنظريات الموسيقية، بينما أخذ شَمّه العود إلى مساحات واسعة من التأليف والعزف والتجريب والتعليم. وبالرغم من اختلاف التجربة، بقيت بينهما مساحة مشتركة عنوانها العراق والموسيقى.
كَمَر حمل مشروعًا واضحًا في الحفاظ على المقام العراقي وتوثيقه ونقله إلى الأجيال، حتى أسس عام 2000 مؤسسة في هولندا تهتم بتوثيق وتعليم ونشر الموسيقى العراقية والمقام العراقي. وقد شارك خلال مسيرته في مهرجانات ومحافل دولية عديدة، وعمل مع أسماء كبيرة من رواد المقام والموسيقى العراقية.
أما شَمّه، فقد جعل العود وسيلة للتعبير عن الإنسان والحياة والوطن، ولم يكتفِ بالعزف، بل اتجه إلى التعليم وتأسيس مشاريع موسيقية واسعة. وتصف مصادر عديدة تجربته بأنها جمعت بين الحفاظ على روح الموسيقى العربية وبين البحث والتجديد، وهو ما جعله يصل إلى جمهور واسع خارج العراق أيضًا، ولعل أجمل ما في قصة الاثنين أن الشهرة لم تمحُ بدايات العلاقة. نصير شَمّه الذي أصبح لاحقًا اسمًا عالميًا في عالم العود، ظل يحمل معه أثر المدرسة والأساتذة الذين تعلم منهم، وكَمَر ظل ينظر إلى تلميذه القديم باعتزاز، ويتحدث عنه بوصفه فنانًا عراقيًا ساهم في إيصال موسيقى بلده إلى العالم، وبين الجوزة والعود، وبين المقام والتجديد، بقيت هناك حكاية إنسانية لا تقل جمالًا عن الموسيقى نفسها: أستاذ التقى طالبًا في بغداد، علّمه بعض أسرار النغم، ثم جمعتهما الأيام في فرقة ومهرجانات ومشاريع، وتحولت العلاقة بمرور العقود إلى صداقة وزمالة وأخوّة.
هذه ليست فقط قصة موسيقاريْن عراقيين، إنها صورة من صور الوفاء في الوسط الفني العراقي، حين تبقى العلاقة الإنسانية أقوى من اختلاف المدارس والأساليب، وحين يتحول الأستاذ إلى صديق، والتلميذ إلى زميل، وتصبح الموسيقى جسرًا طويلًا لا ينتهي بانتهاء الدرس.محمد حسين كَمَر ونصير شَمّه.. اثنان من طريقين موسيقيين مختلفين، لكن جمعهما العراق، وجمعتهما النغمة، وحفظت لهما السنوات علاقة بدأت من مقاعد المعهد وبقيت حاضرة في ذاكرة الموسيقى العراقية.